الصفحة 121 من 178

ولتتضح الصورة أكثر حول قاعدة العمل بالكليات دون إهمال للجزئيات نورد بعضا من الكلام العلمي المتقن لصاحب هذا الفن والراسخ فيه بإجماع علماء الأمة من بعده، وهو الأصولي المحنك أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله -، حيث قال في معرض الرد على من يقول أن هناك بعضا من البدع حسنة: فاعلموا رحمكم الله أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:

أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البته، ولم يأت فيها مما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة الا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الادلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الافراد.

والثاني: أنه قد ثبت في الاصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي اذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها عل مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، و قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وما اشبه ذلك.

وبسط الاستدلال على ذلك هنالك فما نحن بصدده من هذا القبيل اذ جاء في الاحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى، وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعه، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها. اهـ (الاعتصام ـ(1/ 142) ـ طـ / المكتبة التجارية الكبرى بمصر)

وقال أيضا - رحمه الله - وعفا عنه: وعلى الجملة فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه، وأكثر الأصول تكرارا الأصول المكية كالأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك، فأما إن لم يكن العموم مكررا، ولا مؤكدا، ولا منتشرا في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر، فلا بد من البحث عما يعارضه أو يخصصه، وإنما حصلت التفرقة بين الصنفين لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والانتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه بخلاف ما لم يكن كذلك فإنه معرض لاحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على غيره ويبحث عن وجود معارض فيه فصل. اهـ (الموافقات-(3/ 307) - طـ/ دار المعرفة)

وقال أيضا - رحمه الله - في الفصل الرابع في العموم والخصوص: ولا بد من مقدمة تبين المقصود من العموم والخصوص ههنا، والمراد العموم المعنوي كان له صيغة مخصوصة أولا فإذا قلنا في وجوب الصلاة أو غيرها من الواجبات في تحريم الظلم أو غيره إنه عام فإنما معنى ذلك أن ذلك ثابت على الإطلاق والعموم بدليل فيه صيغة عموم أولا بناء على أن الأدلة المستعملة هنا إنما هي الاستقرائية المحصلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت