الصفحة 123 من 178

فهذه فيها نظر، ويمكن أن يستدل على أن ذلك لايكون كفر بقصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه. اهـ (شرح نواقض الإسلام. صـ / 35)

وقد ذكر هذا التأصيل لهذه القاعدة بشيء من التفصيل والثمتيل الفقيه المُنقب أبو الحسن مدحت آل الفراج - حفظه الله - في كتابه ذو القيمة الغالية والعالية- فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد - (صـ / 347) قال فيه معنونا ومعلقا: (( حادثة حاطب رضي الله عنه وحكم ما وقع فيه ) ): لقد حاول كثير من المنهزمين أن يتترسوا بهذه الواقعة، وينفذوا من خلالها إلى أنه لا يوجد ناقض من نواقض الإسلام عنوانه: موالاة الكافرين ونصرتهم على المسلمين، وأرادوا أن يجعلوا هذه الحادثة بفهمهم هم قاعدة كلية ينبغي رد النصوص- التي تفوت الحصر- من الكتاب والسُّنَّة إليها. ولكن أهل السنة والجماعة تتقرر القواعد الكلية عندهم من نصوص كثيرة من القرآن والسُّنَّة، ثم بعد ذلك ينزلون ويفهمون ما خالف- في الظاهر- مقتضاها على ضوء ما تقرر من معنى القواعد الكلية.

على سبيل المثال: قد تقرر من نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الإيمان قول وعمل، وانعقد عليه الإجماع حتى صار معلومًا بالاضطرار من الدين. ثم جاء نص في ظاهره مخالفة ما تقرر من مقتضى هذه القاعدة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق الجهنميين: «فيقبض- أي أرحم الراحمين سبحانه وتعالى- قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» وهنا نحن أمام منهجين:

أ- منهج أهل السُّنَّة والعدل: فيقولون بمقتضى القاعدة المقررة من نصوص تفوق الحصر، من الكتاب و السُّنَّة بفهم سلف الأمة وأئمتها، وهو أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال من الإيمان، ثم بعد ذلك يحاولون الجمع بين مقتضى القاعدة وهذا النص الجزئي، فإن تعذر ذلك، عملوا بمقتضى القاعدة الكلية وتركوا العمل بمقتضى النص الجزئي، لئلا يتركوا العمل بالنصوص الكثيرة المقررة للقاعدة الكلية.

ب- منهج أهل البدع والظلم: يجعلون معنى النص الجزئي قاعدة كلية، ثم يقومون برد النصوص الكثيرة إليها.، فيقولون هنا: هذا الحديث يقطع بخروج الأعمال من الإيمان، ومن ثم فالإيمان هو الاعتقاد والقول فقط دون الأعمال.

وأهل السُّنَّة يقولون هنا: قوله - صلى الله عليه وسلم: «لم يعملوا خيرًا قط» يطلق على من عمل أعمالًا من أعمال البر، إلا أنها قليلة تكاد لا تذكر في جانب الأعمال السيئة الأخرى، ولا أدلّ على ذلك من حديث الرجل الذي قتل مائة نفس فعندما اختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب: «لم يعمل خيرًا قط» مع أن الرجل ذهب إلى الراهب ليسأله عن التوبة، ثم ذهب إلى العالم ليسأله عن التوبة بعد ندمه على قتل الراهب، ثم امتثل وعمل كل ما قاله العالم له من شروط التوبة ... وكل ذلك من أعمال البر، لكنها بجانب سيئاته ومعاصيه، فكأنه لم يعمل خيرًا قط. اهـ

وهنا أيضا قصة عجيبة ذكرها ابن القيم - رحمه الله - في الزاد قال فيها: وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرايةَ عليا بن أبى طالب، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بنى قُريظة، وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت