المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية. وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام. فقال اللّه سبحانه: «ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا» .. وطبيعي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين. فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال. إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون. فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم .. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال، بعد ما كان قائما بينهم أول العهد في المدينة. اهـ (فى ظلال القرآن -(2/ 909)
• النقل العشرون: للعالم الشاب الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف قال فيه - حفظه الله-: فمن شعب موالاة الكفار التي توجب الخروج من الملة: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} الآية [المائدة:51] . اهـ (أبحاث في الاعتقاد -(صـ / 61) - طـ/ دار الوطن)
ومما ذكر أعلاه من نقولات سديدة ومعتبرة قد تبين لك أخي القارئ أن المظاهرة بمعنى المعاونة والنصرة للكافرين على المسلمين هي الموالاة المخرجة من الملة، وهي ردة عملية صريحة لا متعلق للقلب فيها من جهة اعتقاد حب الكفار وحب دينهم وحب انتصارهم على الإسلام والمسلمين، فلم يبقى إذن إلا القول أن هذه الردة الصريحة لن ُتزال ويقام حد الله على أهلها إلا بخروج أمثال أبي بكر رضي الله عنه علما وجهادا.
وسأزيد الأمر وضوحا وتأكيدا، وذلك بذكر آية من كتاب الله تعالى مع ذكر سبب نزولها، فيها ما يشفي ويكفي لمن أراد أن يذكر أو أراد شكور، وهي قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 88، 89] .
وهذه الآية العظيمة والتي لها متعلق قوي وكبير في باب العمل بمسائل الأسماء والأحكام ورد في سبب نزولها أقوال، والذي يهمنا من هذه الأقوال قول ابن عباس رضي الله عنهما، والشاهد فيه، أنه حين ذكرت قضية المظاهرة للمشركين على المسلمين لم يأت فيها أبدا ذكر لقضية محبة الكفر أو تمني غلبته على الإيمان وأهله وما شابه، بل جاء الحكم في هذا واضحا، وهو أنهم منافقون أركسهم الله بمعنى ردهم الله إلى أحكام الشرك، ونوصي بمراجعة ما ذكره المفسرون عند هذه الآية العظيمة، ففيها فقه عظيم من فقه الاعتقاد. واكتفي هنا للإيضاح بذكر نصين لعالمين جليلين من علماء الأمة الإسلامية، ونص للأستاذ سيد قطب غفر الله له ولجميع المسلمين.