• الأول: للعلامة الكيا هراسي - رحمه الله - قال فيه: قوله تعالى {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} - هؤلاء كانوا أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين تقيه وتحببا إليهم. اهـ (أحكام القرآن ـ(2/ 474) ـ طـ/ دار الكتب العلمية)
• الثاني: للعلامة الكبير بدر الدين العيني - رحمه الله - قال فيه: وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة. قالت فئة من المؤمنين اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم أتستحل دماؤهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء. فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين} .اهـ (عمدة القاري شرح صحيح البخاري -(18/ 180) - طـ/ دار إحياء التراث العربي)
• الثالث: للأستاذ سيد قطب قال فيه - رحمه الله: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}
إننا نجد في النصوص استنكارًا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين وتعجبًا من اتخاذهم هذا الموقف؛ وشدة وحسمًا في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته، وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك.
وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين؛ لأن فيها تميعًا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين. ذلك أن قول جماعة من المؤمنين: «سبحان الله! - أو كما قالوا - أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟» . . وتصورهم للأمر على هذا النحو، من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: «إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس» . . وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: «يظاهرون عدوكم» . . تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان، في ظروف تستدعي الوضوح الكامل، والحسم القاطع. فإن كلمة تقال باللسان؛ مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين، لا تكون إلا نفاقًا. ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء. لأنه تمييع للتصور ذاته. . وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين.