الصفحة 24 من 178

• النقل الأول: للعلامة المفسر أبو عبد الله محمد القرطبي [1] - رحمه الله - قال فيه: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تَاللَّهِ} حلفوا بالله. {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة إذ اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد وهذا معنى قوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي في العبادة. اهـ (تفسير القرطبي ـ(16/ 47) - طـ /مؤسسة الرسالة).

• النقل الثاني: للعلامة الحبر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - قال فيه: وقال أهل النار في النار: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة، وإلا فلم يقل أحد قط إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين سبحانه وتعالى في صفاته، وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده أيضًا، وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة. اهـ (جلاء الأفهام -(صـ / 527) - طـ/ دار عالم الفوائد)

ومن أعظم الأدلة القرآنية التي تبين هذا قوله تعالى وهو يستفهم كفار قريش ليردوا مقالته فما استطاعوا، وهم الحريصون على إبطال كل حق فكيف بأمر الربوبية، وقد علمتم ردهم على مقام الألوهية. {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59 - 63] .

ففي هذه الآيات البينات تقرير لأفعال الله تعالى من خلق وتدبير ورزق، ومع هذا الإخبار الرباني وإقرار الكفار له، وصفهم الله بالشرك معه في قوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وهذا يفيدك يقينا أنهم أشركوا معه في عبادات دون أخرى، وهذه الأخيرة قليلة جدا.

ولهذا أكثر ما قرره القرآن ودعا الناس إليه إخلاص العبادة كلها لله تعالى، وترك إشراك أحد معه فيها مهما كان هذا الأحد بإطلاق، ومهما كان نوع هذه العبادة أو حجمها بإطلاق، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .

(1) هو العلامة الجامع صاحب الجامع أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين المعروف شهرة بالقرطبي المالكي مذهبا، له مصنفات كثيرة أبرزها كتابه الجامع في التفسير، وهو أحد علماء الأمة من الذين يرجع إلى فهمهم لنصوص الكتاب والسنة، له تجاوزات قليلة - غفر الله له - في مسائل عقدية جانب فيها ما كان عليه السلف الصالح، وبالخصوص منها ما يتعلق بجانب الأسماء والصفات، توفي رحمه الله بمصر عام (671 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت