الثالثة: أنهم يقولون: هذا فيمن يستشفع بالأصنام، ونحن نستشفع بالصالحين! فاعرف قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربّهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء 57] لعلك تفهم جهالة أعداء الله، بدين رسول الله.
الرابعة: قول الله تعالى: {وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء 67] ، وقوله: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت 65] ، إذا علمت هذا، وعلمت ما عليه أكثر الناس، علمت أنهم أعظم كفرًا وشركًا من المشركين، الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ (الدرر السنية -(1/ 159/160)
وأما النص القطعي من القرآن على أن هذا الفعل شرك أكبر وناقض من نواقض الإيمان والإسلام، فقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
وهذا خبر قطعي الدلالة يفيد يقيناأن من طلب الشفاعة من غير الله في الدنيا لأمر لايقدر عليه ولايملكه إلا الله تعالى كمغفرة الذنوب مثلا فهو مشرك قد وقع في الشرك الأكبر، قد سمى الله فعله هذا عبادة من دون الله، ويشتد شرك هذا المشرك إذا ما كان هذا الفعل القبيح قد صرف لميت لاينفع ولا يضر بأي حال من الأحوال.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - عند هذه الآية: فأخبر: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم، وأشرك بهم. اهـ (الدرر السنية في الأجوبة النجدية -(1/ 85)
وقال الاستاذ محمد عزة دروزة - رحمه الله - عند تعرضه لهذه الآية: في الآية تنديد بالمشركين لعبادتهم غير اللّه الذين لا يقدرون على ضرهم ونفعهم، وحكاية لاعتذارهم بالقول إنما يتخذونهم شفعاء لدى اللّه، وأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم بسؤالهم سؤالا فيه تحدّ وسخرية عما إذا كانوا بذلك يخبرون اللّه تعالى بشيء في السموات والأرض لا يعلمه اللّه، ثم انتهت بتنزيه اللّه عما يشركه المشركون معه. والضمير في الآية عائد إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة جحودهم ومواقفهم ومطالبهم على ما هو المتبادر، وهي والحالة هذه متصلة بها ولعل التنديد الذي انطوى فيها متصل بما كانوا يطلبونه من النبي صلى اللّه عليه وسلم من الإتيان بقرآن لا يتعرض لشركائهم ولا يسفه عقولهم، فشركاؤهم لا يضرونهم ولا ينفعونهم وإشراكهم مع اللّه تعالى في العبادة والدعاء هو سخف يستحق كل التنديد.
وفي الآية صورة واضحة صريحة لمدى عقيدة الشرك العربية، وهي أنهم كانوا يعترفون باللّه ويؤمنون بأنه الخالق الرازق المدبر المتصرف في كل شي ء، القادر على كل شي ء، ويعتبرون الشركاء الذين كانوا يشركونهم معه في الدعاء والعبادة شفعاء ووسائل زلفى لديه. ومعظم الآيات التي نددت بعقائد العرب تضمنت هذه