والشاهد من الآية هو خبر الله تعالى عن الطوائف الثلاثة من اليهود، فطائفة فعلت المنكر وركبته إصرارا، وطائفة لم تركبه وأنكرته فيما بينها ولم تنكر عليهم، وطائفة أنكرته عليهم سرا وجهرا، فما كان إلا أن أهلك الله الطائفة الأولى والثانية، فلم ينجوا من عذاب الله تعالى إلا الطائفة الثالثة التي قامت بما أمر الله به من الإنكار قلبا وقالبا.
وإذا كان هذا في منكر من المنكرات فكيف بمن يرى من علمائنا الكفر بالله والشرك به في الأرض منتشرا ثم لا ينكر على فاعليه وعلى مستحسنيه وبالخصوص منهم الذين يحمونه من الحكام والسلاطين. ألا يخشى هؤلاء أن يعمنا الله بعقاب من عنده فيهلك الصالح والطالح. يارب سلم سلم
قال الإمام الشوكاني - رحمه الله: وكم قد سري عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا للَّه وإنا إليه راجعون ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب للَّه ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف باللَّه فاجرًا فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير اللَّه وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجبًا. اهـ (نيل الأوطار-(7/ 429) - طـ/ دار ابن الجوزي)
وقال ابن القيم - رحمه الله - وهو يتكلم عن من ذكرت من عباد القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجًا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا وسماه"مناسك حج المشاهد"مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقصده من النهى عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه. ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره. فمنها: تعظيمها المواقع في الافتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدا. ومنها: السفر إليها. ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها: من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها. ومنها: النذر لها ولسدنتها. ومنها: اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف