-والعلّة ضروريّة لامتثال المكلَّف الحُكْمَ؛ لأنّها تُنصَب علامةً عليه، بينما يستطيع المكلّف أن يمتثل الحُكمَ دون أن يدرك حِكمته. فالعلّة وظيفتها التّعريف بحال الامتثال، ولذلك كان على عموم المكلّفين المخاطبين بالحُكم معرفتُها. وأمّا الحكمة فوظيفتها فقهيّة، يُعنى بها أَساسًا المجتهد والفقيه، ليقيس بها أو يمنع القياس (الجمع والفرق) ، وغير ذلك من فوائد التّعليل بالحِكَم.
-والعلّة تبعٌ للحكمة؛ لأنّها ضابط الحكمة ومظنّتها، فالعلّة وسيلة والحكمة غاية. فالأصل والمقصود هو الحكمة، والعلّة طريقٌ إليها. قال إلْكِيا الهَرّاسي: «اعلم أنّه لولا الحكمة لكان الحُكم صورةً غير صالحة للحُكم، فبالحكمة خرج عن كونه صورة، والعلّة صارت جالبةً للحُكم بمعناها لا بصورتها، ودون الحكمة لا شيء إلا صورة الفعل» [1] .
-والعلّة مقارِنة، عقلًا ووجودًا، للحُكم التّكليفي المنوط بها، والحكمة مقارنة للحُكم المترتِّب عليها عقلًا، لكنّها متأخّرة ومُتَراخية عنه وجودًا. قال السَّمرقندي (ت 539 هـ) : «العلّة التي يتعلّق بها الوجوب والوجود تكون مع الحُكم، والعلّة الغَرَضيّة [الحكمة] تكون متأخِّرة وجودًا، ولكنَّها مقارنة لحُكمها عقلًا» [2] .
-العلّة لها اعتبار واحد فقط، وهو قبل الحُكم المترتِّب عليها أو معه، وأمّا الحكمة فلها اعتباران لا واحدًا: اعتبار حال حصولها في الوجود الذّهني، وهي في هذا متقدّمة على الفعل أو الحُكم، وتُسمّى باعثًا، واعتبار حصولها في الوجود الخارجي، وهي في هذا متأخِّرة عن الفعل أو الحُكم، وتُسمّى فائدة [3] .
(1) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 148.
(2) السمرقندي، ميزان الأصول، ص: 592.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ص: 1/ 44.