ففي مثل هذه الحالات تظهر ثمرةٌ للتّفريق بين معنيي الحكمة: حكمة السّبب وحكمة الحُكم، لأنّهما أصبحا مفهومين متباعدين، لا يصحّ تأويل أحدهما بالآخر، كما في الحالات التي لا تتسلسل فيها حكمة السّبب.
«التّعليل بالحكمة» مصطلحٌ يقابله مصطلح «التّعليل بالمَظِنّة» . وهما مفهومان متضادّان: التزام أحدهما في فرع من الفروع يعني تركَ الآخر، وترك أحدهما يعني التزام الآخر. ومن هنا فإنّه لا يُفهم أحدهما على وجهه الصّحيح إلا بفهم الآخر؛ إذ بضدّها تتبيَّن الأشياء.
فأمّا المَظِنّة، بفتح الميم وكسر الظّاء، (أو المِظَنّة والمَظَنّة، بكسر الميم أو فتحها وفتح الظّاء) [1] : فقد قال الجوهري: «مَظِنّة الشّيء: موضعُه ومَألفُه الذي يُظَنُّ كونُه فيه، والجمع المَظانُّ ... قال النّابغة: فإنْ يكُ عامرٌ قد قال جهلًا ... فإنّ مَظِنَّةَ الجهلِ الشَّبابُ» [2] . وفي الحديث: «مِن خير معاش النّاس لهم، رجلٌ ممسكٌ عِنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلّما سمع هَيْعةً، أو فزعةً طار عليه، يبتغي القتلَ والموتَ مَظانَّه ... » [3] ، أي يطلبه من مواطنه التي يُرجى فيها لشدّة رغبته في الشّهادة.
والمظنّة عند الأصوليّين هي باختصار: المحلّ الذي يُظنُّ وجود حِكمة الحُكم فيه. وقد عرَّفها الآمدي: بأنّها: «الوصف المتضمِّن لحكمة الحُكم» [4] ، وقال ابن أمير حاجّ بأنَّها: «مكان ظنّ وجود الحكمة» [5] . وقال صفي الدّين القطيعي: بأنّها: «الأمر
(1) الزبيدي، تاج العروس، ص: 35/ 370.
(2) الجوهري، الصحاح، ص: 6/ 2160.
(3) مسلم، صحيح مسلم، ص: 3/ 1503.
(4) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 147 عن كتاب الآمدي في الجدل.
(5) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ص: 3/ 146.