المطلب الأول
التّعريف بمعاني العلّة
«العلّة» و «السّبب» و «الحكمة» ، ونحوها من الألفاظ المستعملة في باب التّعليل والقياس، ألفاظٌ متقاربة ومتداخلة. وقد أدّى كونها كذلك، مع اختلاف اصطلاح العلماء فيها، إلى كثير من الخبط والخلط والاشتجار في مسائل التّعليل والقياس عند الأصوليّين. قال السّمعاني: «الفصل الثالث: وهو القول في علّة القياس. وفيه الكلام الكثير، وقد وقع فيه الخبط العظيم» [1] . وقال الغزالي: «أطلق الفقهاء اسم العلّة على ثلاثة معانٍ متباينة، مَن لم يعرف تباينها اشتبه عليه معظم أحكام العِلل» [2] .
ولذلك كان في حكم الفرْض على من أراد أن يَدرُس قضايا التّعليل والقياس أن يميِّز جيِّدًا بين هذه الاصطلاحات، وإلا وقع في سوء الفهم وعُسْر الهضم. وكان في حكم الفرض، أيضًا، على من أراد الكتابة والنّقاش في هذه القضايا أن يكشف، منذ البداية، عن اصطلاحه ومقصوده بكلّ لفظٍ اصطلاحيٍّ يستعمله فيها؛ فـ «منشأ الإشكال» -كما قال الغزالي - «التَّخَاوضُ في هذه الأمور، دون التّوافق على حدودٍ معلومة لمقاصد العبارات، فيُطلق المطلِق عبارةً لمعنىً يقصده، والخصم يفهم منه معنىً آخر يستبدُّ هو بالتّعبير به عنه، فيصير به النّزاع ناشبًا قائمًا لا ينفصِل أبد الدّهر» [3] .
فأقول:
يستعمِل الفقهاء والأصوليّون مصطلح العلّة في معنيين رئيسين: السّبب والحكمة.
أمَّا السّبب: فهو الوصف الظّاهر المنضبط الذي رتَّب الشّارع على حصوله ثبوت الحُكم في حقّ المكلّف تحصيلًا لحِكمة الحُكم. فهو، بظهوره وانضباطه، يُعرِّف
(1) السمعاني، قواطع الأدلة، ص: 2/ 140.
(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 515.
(3) المرجع السابق، ص: 588.