والاستعمال الثّالث: التّعليل بمعنى الاعتقاد بأنَّ الأحكام شُرعت لتحقيق المصالح في الجملة، وهي مسألة القول بتعليل الأحكام.
سبق عند بيان العلّة بمعنى الحكمة القول: إنّ الحكمة في إطلاق الأصوليّين نوعان:
أحدهما: حكمة الحُكم (أو المقصد) : وهي المعنى المصلحي المقصود جلبه أو دفعه من تشريع الحُكم التّكليفي: كحفظ العقل المقصود من تحريم شرب الخمر، ودفع المشقّة (=التّيسير أو التّخفيف) المقصود من إباحة الفطر للمسافر.
والنّوع الثاني: حكمة السّبب: وهي المعنى المصلحي الذي لأجل اشتمال سبب الحكم عليه، علَّق الشّارع الحُكمَ بهذا السّبب، وذلك لتحقيق حكمة الحُكم التّكليفي المُترتِّب على هذا السّبب: كالمشَقّة المتضمَّنة في السّفر التي من أجلها جُعل السّفر سببًا لإباحة الفطر؛ لتحقيق حكمة التّيسير.
وقد نبَّه إلى نوعي الحكمة هذين غير واحدٍ من المعاصرين [1] . وقال الشّيخ المطيعي بعد أن توسّع في إيضاحهما: «وإنّما أطلنا في ذلك؛ لأنَّ هذا المقام اشتبه على كثيرين، ومنهم الإسنوي» [2] .
ومن الأقدمين لم نجد من اعتنى بالتّفريق بينهما إلا إنّ الطوفي ربّما يكون أومأ إليهما حين عرَّف الحكمة بقوله: «هي التي لأجلها صار الوصف علّة [قلت: وهذه
(1) السلمي، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، ص: 179؛ منون، نبراس العقول، ص: 272؛ شلبي، تعليل الأحكام، ص: 136؛ العلوي الشنقيطي، نشر البنود، ص: 2/ 133؛ الحكمي،"حقيقة الخلاف في التعليل بالحكمة"، ص: 21.
(2) المطيعي، سلم الوصول، ص: 4/ 162.