حكمة السّبب]، وإن شئت قلت: هي الغاية المطلوبة من التّعليل، وهي جلب المصلحة، أو دفع المفسدة [قلت: وهذه حكمة الحُكم] » [1] .
وكذلك نقل الزّركشي عن التّقيّ المُقتَرَحَ [2] أنّه قال: «لفظ الحكمة يُطلق في استعمالهم لمعنيين: أحدهما: بإزاء المصلحة المقصودة لشرع الحُكم. والثاني: بمعنى الوصف الضّابط لها إذا كان خفيًّا. وهذا مجاز؛ لأنّه ضابط الحكمة لا نفس الحكمة من باب تسمية الدّليل باسم المدلول» [3] .
وهذا الكلام في ظاهره مُشكل؛ لأنّ فيه أنّ الحكمة تُطلق على ضابط الحكمة إذا كان خفيًّا، فكيف يكون ضابطًا إذا كان خفيًّا، ثم إنّ ضابط الحكمة، كالسّفر بالنّسبة للمشقّة، والصّيغة بالنّسبة للرِّضى، لا يُسمّى بالحكمة لا حقيقةً ولا مجازًا، بل يُسمى سببًا وعلّة.
ويزول الإشكال إذا فهمنا أنّ التّقيّ المقتَرَح يقصد بالحكمة في المعنى الأول حكمةَ الحُكم، أي المصلحة المقصود جلبها أو دفعها بتشريع الحُكم. وهذا لا إشكال فيه. وأمّا الحكمة بالمعنى الثاني، الّذي هو محلّ الإشكال، فيقصِد بها حكمة السّبب الّذي ترتَّب عليه الحُكم لتحقيق حكمته، كالمشقّة بالنّسبة لإباحة الفطر، والرّضى بالنّسبة لنقل الملكيّة والانتفاع بالمبيع، فهذه الحِكَم خفيَّة أو مضطّربة فتتّفق مع ما وصفها به المقتَرَح من كونها كذلك.
وأمّا وجه كون هذه الحِكَم الخفيَّة ضابطةً لحِكمة الحُكم، فلأنّها يُشترط وجودها في جنس السّبب الذي ينبني عليه الحُكم لتحقيق حكمة الحُكم، فالسّفر
(1) الطوفي، شرح مختصر الروضة، ص: 3/ 445.
(2) (هو تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري فقيه شافعي، توفي سنة 612 هـ. وقد عُرف باسم"التقي المقتَرَح"، بفتح التاء والراء، أخذًا من اسم كتابٍ اعتنى بحفظه وشرحه وتدريسه، اسمه"المُقترَح في المصطلح"، وهو كتاب مشهور في الجدل لأبي منصور محمد بن محمد الطّوسي البروي، فقيه شافعي متقن توفي سنة 567 هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ص: 7/ 24 و 7/ 256.
(3) الزركشي، تشنيف المسامع، ص: 3/ 215.