المبيح للفطر ينبغي أن يكون مظنّة للمشقّة، ومن ثَمّ فلا يُباح الفطر بالسّفر القصير. والصّيغة الموجِبة لنقل الملكيّة وإباحة الانتفاع بالمبيع ينبغي أن تكون مظنّةً لتراضي المتعاقدين، ومن ثَمّ فلا أثر للصّيغة في بيع المكرَه والهازل؛ لأنّها ليست مظنّة للرّضى بنتيجة العقد. وعليه، فمعنى كون حكمة السّبب ضابطة لحكمة الحُكم هو أنّها مُشترطة الوجود في جنس سبب الحُكم لكي تتحقَّق حكمته.
والحاصل أنّه يَقصِد بالمعنى الأول حكمة الحُكم، وبالمعنى الثاني حكمة السّبب. ولا يصحّ بحال أن نحمل مقصوده بـ «ضابط الحكمة» على ما هو الشّائع من إطلاق ضابط الحكمة على السّبب (كالسّفر وصيغة العقد) ؛ لأنّه اشترط في الضّابط أن يكون خفيًّا، والضّابط بمعنى السّبب لا يكون خفيًّا، ولو كان كذلك لم يُنصب سببًا، وبحسب علمي لا يُوجد من الأصوليّين من سمّى السّبب نفسَه حِكمة. قال الآمدي: «أمّا السّبب: فلا يُطلق إلا على مظنّة المشقّة دون الحكمة» [1] .
والخلاصة هنا أنَّ الحكمة تأتي بمعنى حكمة الحُكم وحكمة السّبب، وقد نبَّه المعاصرون إلى هذين المعنيين. أمّا السّابقون فإنّهم في عامّتهم أغفلوا التّمييز بينهما.
وهذا الإغفال، في نظري، يُعيدنا إلى السّؤال الذي أوردناه عند التّعريف بمعاني العلّة بمعنى الحكمة، وهو هل من ثمرةٍ للتّفريق بين هذين المعنيين للحكمة، إذ الاختلاف بينهما يسير، بحيث يمكن الاعتياض بأحدهما عن الآخر، وتأويل أحدهما بالآخر؟
فالجواب: الثّمرة إنّما هي في الفهم والتصوّر فحسب، وأمّا من النّاحية العَمَليّة التّطبيقيّة فلا فائدة من التّفريق بينهما من وجهة نظري، وحيث أُطلق لفظ الحكمة عند الأصوليّين فيجوز حمله على أيٍّ من المعنيين، فالاشتباه بينهما لا يضرّ. ولذلك يشيع عند الأصوليين ذكر حكمة السّبب في محلّ حكمة الحُكم، فيقولون مثلا: حكمة الرّخصة للمسافر المشقّة، ولا يقولون: دفع المشقّة، بل صرحّ الأصفهاني بأنّ الحكمتين: حكمة السّبب وحكمة الحكم هما شيءٌ واحد فقال: «الحكمة التي بها يكون
(1) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 147 نقلا عن كتاب الآمدي في الجدل.