الوصف سببًا هي الحكمة التي لأجلها يكون الحُكم المرتَّب على الوصف ثابتًا» [1] . وقال الفناري: «ما يُقال في رخص السّفر: إنّ السّبب السّفر والحكمة المشقّة وأمثاله، فكلامٌ مجازيّ، والمراد أنّ الحكمة الباعثة دفع مشقّة السّفر» [2] .
قلت: ومع ذلك، فإنّ ثمّة حالاتٍ لا يصحّ فيها أن تُقدّر حكمة الحُكم بأنَّها مجرّد جلب حكمة السّبب أو دفعها (كما يُقال في المشقّة ودفعها) . وهذه الحالات هي الحالات التي تتسلسل فيها حكمة السّبب إلى وصفين أو أكثر.
وذلك كما في مثال صيغة العقد (السّبب) التي هي مظنّة التّراضي بالتّبادل (حكمة السّبب) ، والتّراضي بالتّبادل مظنّة للرّغبة أو الحاجة إلى التّبادل (حكمة حكمةِ السّبب) ، فلا يصحّ في هذا المثال القول: إنّ حكمة الحُكم التّكليفي المُترتِّب على البيع من انتقال الملكيّة وحِلّ الانتفاع هي تحقيق أو تحصيل التّراضي بالتّبادل (جلب حكمة السّبب) ، فـ «الرّضى ليس الحكمة في التّجارة» كما قال ابن الهمام [3] . والصّواب أن نقول: حكمة الحُكم التّكليفي بإباحة البيع هي تحقيق الرّغبة بالتّبادل ودفع الحاجة إليه (جلب حكمةِ حكمةِ السّبب) . فهنا نجد أنّ حكمة الحُكم لم تكن جلبًا أو دفعًا لحكمة السّبب نفسها بل للوصف الذي يليها في التّسلسل.
وكذلك في مثال كون الفراش (السّبب) مظنّة للوطء (حكمة السّبب) ، والوطء مظنّة للعُلُوق، (حكمة حكمةِ السّبب) ، والعُلوق يؤدّي إلى البعضيّة (حكمة حكمةِ حكمةِ السّبب) ، لا يصحّ القول بأنّ حكمة الحُكم التّكليفي من ثبوت النّسب هي جلب (أو تحقيق أو تحصيل أو حفظ) الوطء أو العلوق، بل الحكمة هي حفظ البعض (النّسل) من الضّياع.
(1) الأصفهاني، بيان المختصر، ص: 3/ 175.
(2) الفناري، فصول البدائع، ص: 2/ 421.
(3) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ص: 3/ 142.