قلت: هذا هو الفرق الجوهريّ بينهما في الاصطلاح الذي ذكرناه آخِرًا لا مطلقًا؛ إذ العلّة - كما أوضحنا - تُطلق بالاشتراك على الحكمة وعلى ضابط الحكمة الذي هو السّبب، فهي أعمّ في الاستعمال من أن يُراد بها السّبب وحدَه.
ويتعيَّن هذا الفرق الذي ذكره الشيخ خلَّاف بين العلّة والحكمة عند اقترانهما وتقابلهما في سياقٍ واحد.
ويمكن اختصاره بالقول: إنّ العلّة - إذا قُرنت وقُوبلت بالحكمة - هي مظنّة المصلحة، أو أمارة المصلحة، أو ضابط المصلحة، بينما الحكمة هي المصلحة نفسها أو وجهها.
وقد انبنى على هذا الفرق الأساس بينهما فروقٌ أخرى منها ما يأتي:
-العلّة قد تكون مظنّة لمصلحة مناسبة عقلًا (كالسّفر لإباحة الفطر) ، أو قد تكون تعبّدية غير معقولة (كدلوك الشّمس لوجوب الظهر) ، بينما الحكمة دائمًا مناسبة في نفسها؛ لأنّها المصلحة ذاتها أو وجهها؛ ومن هنا قال الغزالي: «لسنا نعني بالحكمة إلا العلّة المخيلة والمعنى المناسب» [1] . وقال الطّوفي: «المراد بحكمة الحُكم: هو المعنى المناسب الذي نشأ عنه الحُكم» [2] .
-والعلّة لا بدّ أن تكون ظاهرة (يمكن للمكلّف الوقوف عليها لامتثال الحُكم المتعلّقِ بها بيُسر) ، ومنضبطة (لا تتفاوت كثيرًا من مكلّف إلى آخر، وحالٍ إلى أخرى) ، بينما لا يُشترط ذلك في الحكمة.
-والعلّة بمعنى السبب لا يُقاس بها بل يُقاس عليها، بخلاف الحكمة إذا تحقَّقت فيها شروط العلّة القياسية، فإنّه يُقاس بها لا عليها.
(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 613.
(2) الطوفي، شرح مختصر الروضة، ص: 1/ 423.