مثال آخر:
وجود الفراش (العلاقة المشروعة بين الرّجل والمرأة، وهي الزّواج أو ملك اليمين) مظنّة لحصول الوطء بينهما، والوطء مَظنّة لِعُلُوق نطفة الرجل في رحم المرأة، والعُلُوق مَظنّة لتخَلُّق الولد من ماء الرجل، وهذا التخلّق من ماء الرجل (البعضية) هو المعنى الحقيقي لثبوت نسب الولد منه. والحكمة والمقصد من الحُكم بثبوت النَّسَب هو حفظ الولد من الضّياع. فعلى هذا كان الفراش مظنّة للوطء، والوطء مظنّةً للعُلوق، والعُلوق سببًا للبعضية، والبعضيةُ هي الدّاعي للحُكم بثبوت النَّسَب، وذلك تحقيقًا لحكمة الحفاظ على الولد [1] .
وهذا التّسلسل في العلل مسؤولٌ عن قدرٍ كبير من اختلاف عبارات الأصوليّين فيما يوردونه من أمثلة على العلّة والحكمة، فمثلًا يقول بعضهم: حكمة تحريم الخمر الإسكار، ويقول آخر حكمة تحريمها: حفظ العقل، ويقول ثالث: حكمة تحريمها منع وقوع العداوة والبغضاء والصّدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة. فكلّ ما ذُكر صحيح، وليس هو دلالة على اختلافهم في تحديد حكمة تحريم الخمر، بل الحِكَم المذكورة واحدة
(1) البخاري، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ص: 4/ 84.