الصفحة 46 من 56

أو بعبارةٍ أخرى: القياس على الحُكم الابتدائي بالحكمة، فهذا مستبعدٌ فيه الخلاف عند القائلين بالقياس.

ثالثًا: خطأُ مبالغة بعضهم في الإنكار على من قال بعدم جواز التّعليل بالحكمة، وبُعْد قولِهم بأنّ ذلك كان وليد المناظرات بين أتباع الأئمّة، وأنّه جاء به الأتباع لضبط فروع المذاهب، كما قاله شلبي وغيره [1] ، وأبعد منه القول بأنّ هذا المنع كان من أسباب جمود الفقه وعجزه عن مسايرة الزّمن [2] ؛ وذلك لأنّ القائلين بالمنع من التّعليل بالحكمة - وهم أكثر الحنفيّة وبعض الشّافعيّة [3] - وإن كان قولهم مرجوحًا، لم يكونوا يعنون بالمنع من التّعليل بالحكمة الحكمةَ بإطلاق، كما ظنّه المبالغون في الإنكار، وإنّما عنوا - كما بيّنّا - حالتين خاصَّتين، هما: أ) المنع من نوط الحُكم بالحكمة إذا كان ذلك سيعود على المظنّة المنصوصة التي قُطع عنها الحُكم بالتّخصيص، وب) المنع من القياس على الحُكم الثّابت بخطاب الوضع بواسطة الحكمة (القياس في الأسباب) .

وعلى هذا فمنعهم التّعليل بالحكمة إنّما يبرز فقط عندما يتردّد الحُكم بين أن يُناط بالمظنّة المنصوصة أو بالحكمة. ومثاله خلاف الفقهاء في نقض الوضوء بلمس المرأة أيُناط بنفس اللّمس، أم بما يستبطنه من معنى، وهو الشّهوّة واللّذة، وخلافهم في نقض الوضوء بالنّوم، أيُناط بذات النّوم كما قاله بعضهم، أم بأنّه مظنّة لخروج الريح وهو لا يشعر، وخلافهم في غسل اليد قبل إدخالها بالإناء أيُناط بنفس النّوم أم بالشّكّ في نجاسة اليد، وخلافهم في الاستنجاء بالأحجار أيُناط بالتّثليث في

(1) شلبي، تعليل الأحكام، ص: 184؛ إمام،"بحث في التّعليل بالحكمة"، 3، ص: 665؛ الجبوري،"التعليل بالحكمة عند الأصوليين"، ص: 191.

(2) الحكمي،"حقيقة الخلاف في التعليل بالحكمة"، ص: 12؛ أبو طالب،"التعليل بالحكمة عند الأصوليين"، 4، ص: 1027 (وللأسف بحث أبي طالب منقول في غالبه عن بحث الحكمي من غير عزو) .

(3) الحكمي،"حقيقة الخلاف في التعليل بالحكمة"، ص: 25 و 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت