وللشافعية قولان: القديم أن الربح كله لرب المال، والجديد أنه كله للغاصب [1] .
وعن أحمد روايتان: الأولى: أن الربح كله لرب المال، والثانية: يتصدق الشريكان بالربح على سبيل الورع [2] .
والذي يبدوا لي راجحا من هذه الآراء هو رأي المالكية؛ لكونه يقع بينها في الوسط: فلا هو تطرف إلى جانب رب المال أو الشريك غير المخالف، فأعطاه كل الربح، من غير أن يتحمل شيئا من الضمان، ولا هو، في المقابل، تطرف إلى جانب الشريك المخالف أو المضارب المخالف، فأوجب له مقابل الضمان كل الربح، وإنما ابتغى بين الاثنين سبيلا، فلم يحابِ غير المخالف بإعطائه كل الربح من غير أن يضمن شيئا، ولم يكافئ المخالف بإعطائه كل الربح، وإنما جعل الربح بينهما على ما جرى عليه الاتفاق، وعاقب المخالف بأن أوجب عليه الضمان، والله أعلم.
وهذا في شركة المضاربة فحسب؛ وذلك حالة ما إذا قال رب المال للمضارب اعمل في هذا المال مضاربة والربح كله لك، والسبب في ذلك أن الفقهاء اشترطوا في المضاربة أن يكون الربح مشتركا بين المضارب وبين رب المال وإلا لم تكن شركة، بل قرضا، على آخذه خُسْره، وإليه رِبْحُه، انطلاقا من القاعدة القائلة بأن العبرة في العقود للمعاني دون المباني. هذا هو رأي الجمهور [3] .
وقال المالكية هو قرض إلا أن يصرح رب المال بلفظ القراض، أو أن يشترط العامل نفي الضمان، فيكون الربح في هاتين الحالتين للمضارب وحده والضمان على رب المال [4] .
والحق أن نظرة المالكية هاهنا في الغاية من الدقة، والروعة، وذلك لأنها تمشت، وإلى أبعد حد، مع مقاصد العاقدين من العقد، ولم تلجأ إلى تحويل هذا العقد، وهو المضاربة، إلى عقد آخر غير مقصود للعاقدين [5] ، وهو القرض، ما دام في الإمكان استيعاب صورة العقد على
(1) انظر: مغني المحتاج، ج 2، ص 314.
(2) انظر: المغني، ج 5، ص 34.
(3) الحنفية، والشافعية، والحنابلة، على تفصيلات عندهم، انظر: بدائع الصنائع، ج 6،ص 86، ومغني المحتاج، ج 2، ص 312، وكشاف القناع، للبهوتي، ج 3، ص 509.
(4) انظر: مواهب الجليل، ج 5، ص 363.
(5) لا سيما إذا صرح أحدهما بنفي الضمان عن المضارب.