الصفحة 3 من 20

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:

يتميز التشريع الإسلامي بصفة عامة، وفقه المعاملات منه بصفة خاصّة، بالمرونة، والاستجابة للمتغيرات، والقابلية للتكيف.

ولا تتمثل هذه المرونة، وهذه القابلية للتكيف، في قدرة التشريع على استيعاب كل ما يستجد من وقائع ومعاملات على ضوء من مقصد التشريع العام الرامي إلى حفظ المصالح على الناس ودفع المفاسد عنهم فحسب، بل ـ وحديثي عن فقه المعاملات بخاصة ـ وفي القدرة على التعامل والتأقلم مع ما هو قائم من عقود وتصرفات بحسب ما يرافق ويزامن إنشاء هذه العقود وهذه التصرفات، أو يطرأ عليها بعد إنشائها، من أمور قد تكون أثرت في طبيعتها، فأحدثت تغييرا في جوهرها وبنيتها، بحيث أُخرجت عن مسمَّاها.

وتبدو هذه المرونة وهذه القابلية للتكيف مع ما يرافق أو يطرأ من أمور مؤثرة في المعاملة محل التعاقد في قدرة التشريع وقابليته لتحول نوع من العقود، بصفات ومقتضيات خاصة، إلى نوع آخر، بصفات ومقتضيات جديدة.

ومن أظهر الأمثلة على هذا التحول ما نشهده في فعل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في القصة التالية:

روى مالك في الموطأ: (( أن عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهّل، ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بل هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأُسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، فقالا: وددنا، ففعل وكتب إلى عمر، رضي الله عنه، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فربحا، فلما دفعا ذلك إلى أمير المؤمنين قال: أَكلُّ الجيش أسلفه مثل الذي أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر: ابنا عمر أمير المؤمنين فأسلفكما، أدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو هلك المال أو نقص لضمِناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت