الصفحة 4 من 20

عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف الربح )) [1] .

فالذي نلاحظه في هذه الواقعة أن الفاروق، رضي الله عنه، وبإشارة من أحد الصحابة ـ يُقال: إنه عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، كما أشار الزرقاني [2] ـ قد حول عقد القرض الذي أبرمه أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، مع ولديه عبد الله وعبيد الله، إلى عقد مضاربة، وما ذلك إلا لما رافق العقد الأول من المحاباة، التي بدا لعمر، رضي الله عنه، أنها مخلة بالعقد. وقد كان هذا الرأي، وهو قلب القرض إلى مضاربة، أكثرَ صوابا وعدلا من الرأي الذي بدا لعمر أولا، وهو نقض العقد الأول بالكلية، وعدم تحويله إلى بدل؛ وذلك لما تضمنه من عدم إهدار الحقوق على أصحابها، حق بيت المال في الربح، وحق عبد لله وعبيد الله فيه، جزاء ما تحمّلاه من ضمان مال العقد فيما لو هلك أو خسرا في التجارة. وهذا هو العدل بعينه.

فإذن، قلب العقد وتحويله من نوع إلى آخر، لأمر صاحب هذا العقد أو طرأ عليه، ما هو ـ وهذا في الغالب ـ إلا وسيلة لتفادي الظلم والضرر الذي قد يترتب على نقض هذا العقد، وإبطاله، وردّ الأمر إلى ما كان قبل وجود هذا العقد، أو ما هو ـ بعبارة أشمل ـ إلا وسيلة للحد من الآثار السلبية التي قد تنجم عن الإبطال الكلي للمعاملة، كما في اجتهاد عمر، رضي الله عنه، آنف الذكر.

وهذا، على سبيل المثال، يظهر غايةَ الظهور، في إطباق الفقهاء على تحويل عقد المضاربة إذا فسد إلى إجارة فاسدة، وما ذلك إلا لحفظ حق المضارب وحق رب المال على السواء: أما المضارب فلئلا يذهب عمله مجانا، وأما رب المال فلئلا يشاركه المضارب في الربح بمقتضى عقد فاسد.

ولعل نظرية (( التحول ) )في العقود ـ إن جاز لنا وصفها بالنظرية ـ تستدعي منا في هذا الصدد النظر في العلاقة بينها وبين نظرية (( الفساد ) )التي يقول بها الحنفية، وما ذلك إلا للاتحاد بينهما في الغرض الأساس الداعي للقول بكل منهما، ألا وهو التخفيف قدْر الإمكان من الآثار السلبية المترتبة على الإبطال والنقض الكلي للعقد. أما نظرية التحول فلِما بيّنّا، وأما نظرية الفساد؛ فلأن العقد الفاسد عند الحنفية بترتيبه بعض آثار العقد الصحيح دون البعض الآخر، كالملك، مثلا، وبالتالي عدم لزوم الفسخ إذا حدث ثمَ تغير أو تصرف في محل العقد، أو القابلية للصحة

(1) أخرجه مالك في الموطأ، ج 2، ص 687، والبيهقي في السنن الكبرى، ج 6، ص 110، والدارقطني في السنن، ج 3، ص 63. وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، ج 3، ص 57: إسناده صحيح.

(2) شرح الموطأ، ج 3، ص 437. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر، ج 3، ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت