الصفحة 5 من 20

إذا أزيل سبب الفساد، وغير ذلك، إنما كان وسيلة من الحنفية للتخلص قدْر الممكن من المفاسد التي تلزم عن النقض والإبطال الكليين.

والجمهور، إذ يقولون ـ إلى حد ما ـ بالتحول ولا يقولون بالفساد، إنما يخطون خطوة إلى الأمام باتجاه الحنفية؛ وذلك لالتفاتهم عند قولهم بالتحول إلى ما التفت إليه الحنفية عند قولهم بالفساد، ألا وهو إبطال المفاسد اللازمة عن الإبطال، ونقض المثالب اللازمة عن النقض.

والفرق بين النظريتين ـ نظرية التحول ونظرية الفساد ـ بغض النظر عن مدى قبول واعتبار كل منهما عند العلماء، يكمن في طريقة كل منهما في التخلص من المفاسد الناجمة عن الإبطال الكلي. ففي حين أن نظرية التحول تقلب العقد من شكل إلى آخر، ومن نوع ذي آثار ومقتضيات خاصة، إلى نوع جديد ذي آثار ومقتضيات أخرى، حفاظا على مصالح وحقوق المتعاقدين، فنظرية الفساد تُبقي بعض آثار العقد التي يستلزم بقاؤها الإبقاءَ على مصالح المتعاقدين وحقوقهم، كثبوت ملك المبيع للمشتري في العقد الفاسد، مثلا، الذي يحمي تصرفه في هذا المبيع من النقض والفسخ [1] وإن كانت تجب عليه قيمة المثل.

فالعلاقة، إذن، بين التحول والفساد علاقة وطيدة، تتمثل في وحدة المقصد ووحدة الوجهة، وإن اختلف أسلوب العمل.

وغرضي الآن، بعد طول الكلام، أن أسوق هذا البحث المتواضع في صفحاته، مضمّنا إياه ما أمكنني الوقوف عليه من أمثلةٍ لتحوُّل عقد الشركة في الفقه الإسلامي إلى عقد آخر، سواء أكان هذا التحول من عقد شركة إلى عقد شركة أخرى، أم كان من عقد شركة إلى أي عقد آخر، مركِّزا النقاش ـ ما وجدت جهدا واستطعت إلى ذلك سبيلا ـ حول دلالة هذا التحول، وبعده المصلحي، وصوابية التبني له والعمل بمقتضاه.

هذا وتنبغي الإشارة إلى أن التحول يمثل مفهوما فقهيا وقانونيا عاما يبسط ظلاله على كافة العقود تقريبا، وإنما اقتصرنا في بحثنا هذا على التعرض للتحول في عقد الشركة خاصة لسببين:

أحدهما: أن توسيع البحث ليشمل كل العقود لا يتلاءم مع الاقتضاب والتخصصية الذي تقوم عليه الأبحاث العلمية المقدمة للنشر في الدوريات.

والثاني: أنا أردنا أن نضرب نموذجا من العقود يطاله التحول بشكل واسع فكان أن وقع اختيارنا على عقد الشركة.

(1) يرى الحنفية أن المشترى بعقد فاسد واجب الرد إلى البائع إلا إذا تصرف المشتري بالسلعة كأن باعها، أو غيرّ فيها، كأن كانت دقيقا فحولها خبزا، فحينئذ يلزم العقد ولا يجب الترادّ والفسخ لتعلق حق الغير بالسلعة. أنظر: شرح فتح القدير لابن الهمام، ج 6، ص 459 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت