المعروضة، بظروفها المختلفة، ولم يُوقف فيه كذلك على ضابِطٍ يلمُّ شَتات الفروع، بالنسبة لذلك المقلِّد الباحث عن وسيلة فعَّالَة للفهم والحفظ.
ومن هنا، فقد قالها القرافيُّ بصراحة: (( كلُّ فقه لم يخُرَّج على القواعد فليس بشيء ) ) [1] .
ولئن كان الفقه القديم بكافّة أطواره، ابتداءَ من فقه الفتاوى في عهد الصحابة والتابعين، رضوان الله تعالى عليهم، ومرورا بفقه المسائل كما هو عند أبي حنيفة ومالك، رحمهما الله تعالى، ثم بفقه الكتب والأبواب كما هو عند الشافعي، رحمه الله تعالى، ومَن بعده، وانتهاء بفقه المتون والشروح والحواشي عند المتأخرين ــ أقول: لئن كان الفقه القديم، بكافّة أطواره تلك قد نحا نحو العرض (( الفروعي ) )للمادة الفقهية لأسباب تاريخية واجتماعية وعلمية خاصة، فإن هذا لا يقتضينا، هذه الأيام، أن نسير على النهج نفسه. ذلك أن البحث التشريعي في العالم أجمع، خطا من حيثُ الترتيبُ والتنظيم وربطُ الجزئي بالكلي، خُطُواتٍ هائلةً ومتقدمة، تقتضينا مواكبتُها أن نطور من طريقة عرضنا للمادة الفقهية كي نَلبَسَ لكلِّ عصر لبوسَه، ونأخذ لكلِّ شأن عُدَّته، وإلا كنا كمن يقارع الصاروخ بالسيف، ويسابق الطائرة بالحصان. هذا إذا نحن أردنا: أن نساير تقدم الزمن، وأن نمارس (( التقاط الحكمة ) )الذي نُدبنا إليه، وأن نتقدم بما لدينا من تشريع راقٍ وتراث خصب للناس جميعا عن طريق مخاطبتهم بما يعقلون.
وصياغة الفقه الإسلامي في (( ثوبٍ جديد ) )هو ثوب (( النظريات الحقوقية العامة ) )ـ كما دعا إليه ومارسه بالفعل الأستاذ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى [2] ـ ما هو، في رأيي، إلا خُطْوة أولى فقط نحو (( تجديد الفقه ) )الذي نصبو إليه. ولن نصل إلى موقع متقدم في هذا التجديد إلا بالاستثمار الصحيح والفعَّال للتراث (( الأصولْفقهي ) )الإسلامي، لاسيما في مجال (( مسالك التعليل ) )، لِ (( تقصيد الفقه ) )، أي البحث عن المقاصد المصلحية للأحكام والأبواب الفقهية،
(1) القرافي: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي، الذخيرة، تحقيق محمد حجّي، دار الغرب الإسلامي، الدار البيضاء، ط 1، 1994 م، ج 1، ص 55.
(2) الزرقاء: مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، دار الفكر، دمشق، ط 10، 1387 هـ=1968 م، ج 1، ص 13.