وذلك على النحو الذي اختطه الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور، رحمه الله تعالى، في كتابه الفذّ (( مقاصد الشريعة ) ).
(ص 121)
وذلك لأن (( تنظير ) )الفقه الإسلامي، أو قُل: صوغه على شكل نظريات عامة ـ بالطريقة التي قدَّمها الكثير من المعاصرين ـ وإن كان يُقدِّم توصيفا جيدا لموضوع النظرية، محلِّ البحث، في الفقه الإسلامي، إلا إنه، في الغالب، وعلى غرار البحث الفقهي التقليدي نفسِه، لم يكن ليهتمَّ، بالقدْر المطلوب، بإناطة حلول النظرية ـ التي لا تعدو كونها أحكاما فقهية ـ بعللها ومقاصدها المصلحية، والتي لا غنى عنها في بيان المدى الفروعي الواقع والمتوقع الذي تبلغه وتنطبق عليه هذه الحلول، مما ولَّد حيرة وخلافا جما في كثير من الفروع والوقائع من حيث شمول النظرية، بحلولها، لهذه الفروع والوقائع أم لا.
وعليه، فـ (( تجديد الفقه الإسلامي ) )المأمول في هذا العصر لغايات الاجتهاد، والتعليم، والدعوة، لا بد أن يتسم، من حيث الشكل والمضمون، بسمتين:
الأولى: ربط الجزئي بالكلي. وهذا ما تفي به الصياغة النظرية والقواعدية للفقه كما أشار إليه الأستاذ الزرقاء.
الثانية: ربط حلول وأحكام النظريات الفقهية بمقاصدها المصلحية الخاصة والعامة، لتُتخذ ـ هذه المقاصد ـ منارا يضيء الطريق أمام المجتهد في سعيه لإنزال حلول وأحكام النظريات على الوقائع المعروضة بظروفها المختلفة، ومقياسا دقيقا يحدد به المساحة الفروعية الممكنة التي تغطيها وتنطبق عليها هذه الحلول والأحكام.
وما هذه الدراسة المعنونة بـ (( حكمة ضمان الفعل الضار وأثرها في تحديد موجباته في الفقه الإسلامي ) )إلا خطوة في هذا الاتجاه، في مجال (( نظرية الضمان في الفقه الإسلامي ) )خاصّة. إذ إنها تحاول تحديد (( حكمة الحكم بضمان الفعل الضار ) )من خلال الأدوات الأصولية، مع التنويه، من خلال هذا التحديد، بالمدى الفروعي الذي يمكن لحكم وحل النظرية هذا ـ وهو الحكم بالضمان ـ أن يتناوله وينطبق عليه.
هذا، ولم تظفر حكمة الحكم بالضمان أو مقاصد الضمان ببحث مستقل في كتب الفقه قديمها وحديثها، وحتى الكتب المختصة بالضمان، كـ (( الضمان في الفقه الإسلامي ) )للخفيف، (( ونظرية الضمان ) )للزحيلي لم تفرد حكمة الضمان