أما الفقهاء فيقتصرون، في الغالب، على ذكر وصف التعدي أو العدوان من بين الأوصاف السالفة سببا للضمان [1] ، بل إنهم يضيفون الضمان إليه مفرقين بينه وبين أنوع الضمان الأخرى [2] .
أمَّا وصفا
(ص 124)
الضرر والسببية فالذي لا شك فيه ـ من خلال النظر في التفريعات الفقهية ـ أنهما معتبران عندهم في إيجاب الضمان. وبما أن الفقهاء لا يذكرونهما إلا نادرا ويكتفون بذكر التعدي، فيمكن تكييفُهما على أنهما عندهم شرطان في التعدي الذي هو سبب الضمان. قال إمام الحرمين: (( ما اشتُهر كونُه شرطا في العلة [= السبب[3] ]جاز ذكرُه و تركه، بل تركه أولى؛ لأن ذكرَه يُعد عِيَّا في النظر من المناظر ) ) [4] ، كما هو الحال في الزكاة إذ إنهم يطلقون القول بأن النصاب هو سبب وجوبها، أما مضي الحول فهو شرط في السبب، وكذا الزنا هو سبب للرجم لكن بشرط كون الزاني محصنا [5] .
(1) قال الشاطبي: (( كما أن الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا، كذلك غير المشروعة يترتب عليها أيضا أحكام ضمنا: كالقتل يترتب عليه القصاص والدية ... وكذلك التعدي يترتب عليه الضمان والعقوبة، والسرقة يترتب عليها الضمان والقطع ) ). [الشاطبي: إبراهيم بن موسى الغرناطي، الموافقات، تحقيق وشرح عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت، ج 1، ص 258] . وقال ابن عابدين: (( الحكم، وهو الضمان أو عدمه يُدار على السبب، وهو التعدي أو عدمه ) ). [ابن عابدين: محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، 1386 هـ، ج 3، ص 664] . وقال الشوكاني: (( التعدي سبب مستقل للضمان ) ). [الشوكاني: محمد بن علي، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، تحقيق محمود زايد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 1405 هـ، ج 4، ص 494] .
(2) انظر: الشربيني: محمد الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر، بيروت، ج 3، ص 84. والغزالي، الوسيط، تحقيق أحمد إبراهيم ومحمد تامر، دار السلام، القاهرة، ط 1، 1417 هـ، ج 4، ص 187. وابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت، ج 6، ص 173. وابن عابدين، حاشية بن عابدين، ج 6، ص 515. والشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 159.
(3) السبب يكافئ العلة في اصطلاح الإمام، قال رحمه الله تعالى: (( السبب هو الوصلة: وهو ما يُتوصل به إلى المقصود ... والسبب هو العلة، سيما في العقليات ) ). الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، الكافية في الجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1420 هـ=1999 م، ص 40.
(4) المرجع السابق، ص 118.
(5) ذهب الزحيلي في تكييفه سبب الضمان إلى أن الاعتداء والضرر هما معا سبب الضمان. أما الرابطة السببية فهي (( من قبيل عدم وجود المانع للسبب، والمانع للسبب هو الأمر الذي يلزم من وجوده عدم تحقق السبب ) ) [الزحيلي، نظرية الضمان، ص 1] . وهذا التكييف غير دقيق لأمرين:
أحدهما: أنه سوّى بين التعدي والضرر في كونهما معا سببَ الضمان، مع أن الضرر لا يكافئ التعدي من وجهين: الأول: في اللغة الفقهية، حيث يذكر الفقهاء التعدي كسبب للضمان ولا يذكرون الضرر إلا نادرا، والوجه الأخر: في الواقع، حيث إن الضرر هو لازم أو نتيجة ناجمة عن التعدي، وعليه فالتعدي أسبق منه، لأن المعلول لا يتقدم علته، فكان الأولى أن ينفرد التعدي بكونه سببا، ويكون حصول الضرر شرطا في هذا السبب.
والأمر الآخر: أنه كيَّف الرابطة السببية على أنها من قبيل عدم وجود المانع للسبب. ولست أعلم وجها لهذا التكييف، لأن الرابطة السببية هي وصف وجودي وقد جعله الزحيلي عدميا، ولأن الوصف الذي يتمثل في عدم وجود المانع هو الشرط نفسه، فإنك قد تقول الحيض مانع من صحة صوم المرأة، أو تقول: عدم وجود الحيض، أي الطهارة، هو شرط لصحة صومها. فكان الأولى به بدل هذا التعقيد أن يقول بأن الرابطة السببية هي شرط في التعدي بحيث يكون التعدي مسبِبا للضرر أو هي شرط في الضرر بحيث يكون الضرر مسبَبَا عن التعدي. والله أعلم.