الصفحة 3 من 46

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنَّ تقدُّمَ الأمم ورقيَّها إنَّما هو بصلاح صناعة التعليم فيها، وتخلُّفَها وانحطاطَها إنَّما هو بفساد هذه الصِّناعة. وقد بلغ من أهميّة التعليم والتعلُّم أنْ جعل الله، تعالى، ذلك ممَّا اختصَّ به آدم، عليه السلام، وأظهر به مَزيته على الملأ الأعلى من الملائكة المقرّبين، فقال، سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . [البقرة: 31] . ومن الدلائل، أيضا، على عِظَم أهميّة التعلُّم والتّعليم، أنْ أشار إليهما، سبحانه وتعالى، في أوَّل آياتٍ أنزلها من كتابه فقال، عَزّ من قائل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . [العلق: 1 - 5] . فذكر «القراءة» التي هي من أهمّ وسائل تلقّي العلم وكسْبه، وذكر «القلم» كنايةً عن «الكتابة» التي هي من أهمّ وسائل نقل العلم وتقييده وتعليمه. وبهاتين الوسيلتين: «القراءة» و «الكتابة» ، استطاع الإنسان أن يعلم ما لم يكن يعلمه من قبل، فلله الحمد على نِعَمه.

وأشرفُ العلوم، وأعظمُها، عند أتباع الرسل كافّة، علومُ الدّين؛ لأنّها تؤهِّل صاحبَها ليقوم في نفسه، وفي قومه، مقامَ الأنبياء، صلوات ربّي عليهم، الذين «لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورَّثُوا العلم، فمن أَخذ به أخذ بحظٍّ وافر» [1] .

ولا يضير هذه العلوم أنْ أصبحت سوقُها كاسدةً في هذه الأعصار؛ لقلّة الراغب فيها وكثرة المدبر عنها، من العامّة والخاصّة، فهي لم تُوضع للاحتراف أصلًا، ولا ليُتوصّل بها إلى أعراض الدنيا وزينتها، بل وُضعت سببًا لمن أراد أن يفهم عن الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ويعمل بما فَهِم، طَمَعًا فيما عند الله، تعالى، والفوز برضاه.

ولقد مُنيت صناعة التعليم الدّيني في هذه الأمّة بنَكَساتٍ وتراجعات، فأصابها ما أصاب الدّين عمومًا بمرور الزمن من خُفوت جذوته في قلوب الناس. وضَعْف تأثيره في مناحي حياتهم، وهذا ما دعا أبا حامد الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله، في زمنه، إلى تأليف كتابه الذي سمّاه «إحياء علوم الدين» ناعيًا فيه على علماء عصره انحرافَهم بعلوم الدّين عن مقاصدها وغاياتها، وعدمَ تحقُّقِهم بكثير من شروطها وآدابها، وغفلتَهم عن روحها وأسرارها، راسمًا لهم طريق العلم والعمل فيها.

وإذا انتقد الغزالي، رحمه الله، ضَعف العَمل بالعلم في عصره واصفًا علماء عصره لذلك بـ «المترسِّمين بالعِلم» ، لا العلماء؛ لأنّ مقاصد أكثرهم في طلب العلم لم تكن شريفة، ولا أعمالهم كانت منيفة، فإنّه، مع ذلك، لم يشكّك في قدراتهم العلمية، ولا في أهليتهم للفتوى والإرشاد والوعظ والتعليم.

وأمّا في عصرنا هذا فقد اتّسع الخرق على الراقع، وفُقِد العلم والعمل معًا، وغاب الشكل والمضمون على حدٍّ سواء، ولم يبق من الشَّكل إلا الرُّتب والمناصب والألقاب؛ فمظاهر الضّعف في التأهيل

(1) أبو داود، السنن، (3/ 317) . وابن ماجه، السنن، (1/ 81) . وصحّحه الألباني، وحسّنه الأرناؤوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت