الدّرس على الشيوخ، فأمّا توسيع دائرة الفهم والاطّلاع فإنّما يَتوصَّل إليها الطالب بنفسه بمطالعته للكتب ومزاولته للتّقرير والتّحرير. ثم إنّ الدروس إنّما تحصل فيها قواعد بعض العلوم، وتبقى فنونٌ كثيرة من فنون العلم يصل إليها الطالب بمطالعته بنفسه وحدَه، أو مع بعض رفاقه، فلا ينتهي من مدّة دراسته العلمية في الدروس إلا وقد اتّسع نطاق معلوماته بفنون كثيرة. ونرى الطلاب اليوم في أكبر المعاهد - كالزيتونة - لا يخرج الطالب عن كتبه الدّراسيّة إلى مطالعة شيء بنفسه مِمّا يكسبه علمًا أو خبرةً بالحياة، فيخرج الطالب بعد تحصيل الشهادة وهو غريب عن الحياة. فعلى الطّلبة والمتولِّين أمر الطّلبة أن يسيروا على خطّة التحصيل الدَّرسي، والتحصيل النَّفسي، ليقتصدوا في الوقت ويتّسعوا في العلم، ويوسِّعوا نطاق التفكير» [1] .
والمقصود بذلك أنّ نظام تجزئة العلم الواحد وتوزيعه على الفصول بحسب ما يفرضه النّظام الفصلي والساعات المعتمدة، يجعل مُعدِّي البرامج والخطط الدّراسية يعمدون إلى تقسيم العلم أُفُقيًا، فمثلًا يقسِّمون أصول الفقه إلى ثلاثة مقرّرات أو أربعة، في المقرّر الأول يدرس الطالب مقدّمات العلم مع مباحث الحكم الشرعي، وفي المقرر الثاني يدرس مباحث الأدلّة، وفي الثالث يدرس مباحث الألفاظ والدلالات، وفي الرابع يدرس مباحث الاجتهاد. وهكذا في الفقه: يدرس العبادات ثم المعاملات ثم المناكحات ثم العقوبات. ومحتوى هذه المقرّرات يكون في الغالب كتابًا واحدًا، من المستوى المتوسط غالبًا، يجري توزيعه وتقسيمه على ثلاثة أو أربعة أقسام. وهذه الطريقة من أسقم طُرق التعليم؛ لأنّها تُغفِل مبدأين أساسين في تكوين الملكة العلمية لدى الطالب في العلم الذي هو بصدد دراسته:
أحدهما: مبدأ تقديم كلّيات العلم وأساسياته في التعلّم على جزئياته.
والآخر: مبدأ تَكرار عرض مسائل العلم، وربط مبادئه بغاياته، وأصوله بفروعه.
ولذلك فهذه «الطريقة الأفقية» مخالفةٌ تمامًا لكلّ ما درج عليه علماؤنا السابقون، ولِما أرشد إليه أكابر التربويين منهم، فالمعهود عند أهل أيِّ علمٍ من العلوم، قديمًا وحديثًا، تقسيم الكتب التعليمية فيه إلى ثلاث مراتب أو ربَّما أكثر: وجيزة ومتوسّطة وموسّعة، ولا يبدؤون مع الطالب بالموسّع ولا المتوسّط بل بالوجيز، حتى يحصل له تصوُّرٌ كلّيٌّ للعلم الذي يدرسه، يستولي فيه على أسس هذا العلم، وعُمَد مسائله وتقسيماته، ثم بعد أن يتقن هذه المرحلة يُرتقى به إلى مرحلةٍ أعلى بحيث تُكرَّر عليه نفس مسائل المرحلة السابقة مع توسُّعٍ بعض الشيء فيها: إمّا في ذكر مسائل تتفرّع عنها أو في الاستدلال لها، أو في ذكر الخلاف فيها، ثمّ في المرحلة الثالثة، تُكرّر مسائل المرحلة الثانية جميعها مع توسُّع أكبر: إمّا في ذكر التفاصيل أو في ذكر مناقشات الأدلّة ونحو ذلك. فالأمر كما قال الشيخ محمد بن عثمان الحنبلي، رحمه الله: «كلُّ كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقِّق مسائل ما دونه لتوفِّر جَدّك على فهم الزيادة» [2] .
والمعمول به حاليًا في معظم الكلِّيات الشرعية، لا سيّما تلك التي تخضع لنظام التدريس الفصلي
(1) الطالبي: عمّار، ابن باديس: حياته وآثاره، (4/ 203) .
(2) ابن بدران، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، ص 488.