الصفحة 11 من 46

التعليم، وتشخيصًا لأمراضه، وبحثًا عن العلاج استنادًا إلى ما خلَّفه الأسلاف من ممارساتٍ ونصائح وإشارات، أرى أن القائمين على صناعة التعليم في كثير من كلّيات الدراسات الشرعية من أساتذة وإداريين، قد نبذوها، أو بعضَها على الأقل، وراء ظهورهم، وجعلوها دُبُر آذانهم، إمّا غفلة منهم عنها، وإمّا تأثرًا بمناهج العلوم الدنيوية وأنظمتها المستوردة.

وقد أتيتُ فيها بجهد المقلّ، وأكثرتُ من النُّقول عن كتب التراث تمشيًا مع عنوان الورقة الذي يشير إلى بحث الموضوع من وجهة تراثية، وتدعيمًا للأفكار وترسيخًا لها. فما حالفني فيه الصّواب فبفضلٍ من الله، عزّ شأنه، وتوفيق، وما أخطأتُ فيه فلغفلة من نفسي، أو نسيانٍ جُبلت عليه، أو ضعفٍ في عقلي ورأيي، فأسأله، سبحانه، الذي لا يضلّ ولا ينسى، أن يغفر لي ولوالدي ولكل من قرأ كلامي هذا بعين الإنصاف.

وقد جعلتُ هذه الورقة، بعد هذه المقدّمة، في مطلبين:

أحدهما: السبب الأول في ضعف خريجي كلّيات الدراسات الشرعية: وهو قِلّة إقبال أذكياء الطّلبة على تعلُّم العلوم الشرعية.

والمطلب الثاني: السبب الثاني: ضَعف مناهج التعليم وطرق التدريس. وذكرت في خلاله ستة عيوب. وهي:

1.ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم حِفظًا وتدبّرًا.

2.تزاحم العلوم في خطط التدريس وبرامجه.

3.إهمال مبدأ التدرُّج من الجملة إلى التفاصيل في الخطط الدراسية.

4.الاعتماد على أسلوب التلقين في أكثر وقت الدرس.

5.التركيز على الحفظ على حساب المهارات العقلية الأعلى.

6.عدم اشتمال أكثر المقرّرات على محتوى روحي.

وخاتمة، ضمّنتها توصيات البحث.

وهذا أوان الشروع في المقصود:

السَّبب الأول في ضعف خرّيجي كلّيات الدراسات الشرعية: وهو

قلّة إقبال أذكياء الطّلبة على تعلُّم العلوم الشرعية:

نتيجةً لانحسار اهتمام الدّول الحديثة للمسلمين بالدّين وعلومه، قلَّ في زمننا هذا، نسبيًا، المقبلون على دراسة العلوم الشرعية؛ وذلك لأنّ «العلم الديني» لم يعد سببًا مُغريًا ومجزيًا، يُتوصّل به إلى المناصب الرفيعة، والمكاسب الجزيلة، فانصرف أكثرُ الخلق عنه إلى دراسة العلوم الدّنيوية من طبٍّ وهندسة وتجارة ونحوها. وهذا الأمر كان معكوسًا في الأزمان السّالفة؛ حتى إنّ الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله، شكا من كثرة المشتغلين بالفقه في عصره على حساب الاشتغال بغيره من العلوم الدنيوية الكفائية، كعلم الطّب. قال، رحمه الله:

«كم من بلدةٍ ليس فيها طبيبٌ إلا من أهل الذمّة ... ثمّ لا نرى أحدًا يشتغل به [أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت