الصفحة 10 من 46

التّسليم، والرأي دون الاتّباع. ومن هنا فما صلح تطبيقه وتبنِّيه من الأفكار التربوية وأنظمتها المستوردة من الغرب في مجال العلوم الدنيوية، قد لا يصلح تطبيقه بتاتًا في مجال التعليم الديني، أو يصلح ولكن مع تحويرٍ شديد أو قليل، وذلك بسبب تباين طبيعة العلم المدروس في كلا المجالين.

فإذا تقرَّر ما سبق من وجود هذا التباين بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، غايةً وطبيعة، كان حريًا بالمتصدّي لإصلاح طرق التعليم الديني، أن يراعي هذه الفروق وأن يولِّي وجهه، بادئ ذي بَدء، في سبيل بحثه عن المعالجات والأدوية، شطرَ مستشفى تراثنا التربوي الإسلامي وصيدليته، فإنّهما تعاملا مع هذه العلوم بصورة مباشرة، على مدى قرون، بدلًا من أن يولِّي وجهه، أولَّ الأمر، شطرَ الغرب وأهله ونظرياتهم.

ولا يُفهم من هذا أنّي أرفض الاقتباس من الغرب، بل «الحكمة ضالّة المؤمن» ، وهي رحمٌ بين بني الإنسان، وبئس المَسلكُ تهجينُ القول ونبذُه بسبب جنس قائله أو مذهبه، دون نظرٍ إلى ما نهض عليه من أدلّة، فالحقّ لا يُعرف بالرجال، وإنّما يُعرف الرجال بالحقّ، ولكنّي خشيت أن نترك ما لدينا من تراثٍ تربوي ثَرٍّ، وتجربة عميقةٍ امتدت قرونًا طويلة، وشَهِدت، سيّما في فتراتها الأولى، نجاحاتٍ عظيمة، وخرَّجت علماءَ آياتٍ في الفهّم والدِّقة والسَّعة والتفنُّن: أن نترك ذلك كلّه لأجل مقالاتٍ يقولها غربيُّون اليوم وربّما تراجعوا عنها غدًا، فنتَّبعها لا لشي إلا لأنّ قائليها غربيُّون، والمغلوب مُولعٌ أبدًا بتقليد الغالب، فالحذرَ الحذر، إنَّه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أوَّلُها، وأهلُ مكّةَ أدرى بشعابها، ويرحم الله علماءنا إذ قالوا: «لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي» [1] .

ويرحم الله الشيخ ابن باديس (ت: 1359 هـ) إذ قال:

«لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه، وإذا فسد فسد الجسد كلّه. وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهلَ جُمود في العلم، وابتداعٍ في العَمَل، فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنُصلح علماءهم.

ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم. فالتّعليم هو الذي يطبع المتعلِّم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته، وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره. فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم. ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالمًا من علماء الإسلام يأخذ عنه النّاس دينهم ويقتدون به فيه.

ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النّبوي في شكله وموضوعه، في مادّته فيما كان يعلِّم، صلى الله عليه وآله وسلم، وفي صورة تعليمه، فقد صحّ عنه، صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه مسلم أنّه قال: «إنّما بُعثت معلّمًا» ، فماذا كان يعلِّم وكيف كان يعلِّم» [2] .

وعليه، كانت هذه الورقة بعنوان «ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشرعية: أهمّ الأسباب، والحلول الممكنة، في ضوء أدبيات التعليم في تراثنا التربوي» محاولةً من الباحث لتلمُّس الصَّواب في طُرق

(1) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 818) ، نقلًا عن ابن الماجشون، رحمه الله.

(2) الطالبي: عمّار، ابن باديس: حياته وآثاره، (3/ 217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت