الصفحة 32 من 46

والإشارات الحسِّية، ثمّ لا يزال الاستعداد يتدرّج فيه قليلًا قليلًا بمعاودة النَّظر في قواعد العلم وتكرُّرها عليه، مرّةً بعد مرّة، والانتقال فيها من التقريب والإجمال إلى الشّرح والتفصيل، ثمّ إلى الإحاطة والاستيعاب حتى تتمّ الملكة، ويكمل الاستعداد. وإذا أُلقيت عليه الغايات في البدايات، وهو عاجزٌ عن الفهم بعيدٌ عن الاستعداد، كلَّ ذهنه عنها، وعَجَز عن قبولها، فانصرف عن العلم» [1] .

وتطبيق هذه «الطّريقة العمودية» في التدريس، بدلًا من «الطّريقة الأفقية» الرائجة حاليًّا، ربّما لا يتناسب تمامًا مع نظام التدريس الفصلي والساعات المعتمدة، المعمول به في كثير من الجامعات؛ لأنّ هذا النّظام يقرّر مدّة ثابتة لكل مقرّر تنتهي بانتهاء الفصل الدراسي، و «الطريقة العمودية» قد تتفاوت فيها مُدَد التدريس، إذ المرحلة الأولى التي تُدرّس فيها مباني العلم ومسائله الكلية، ربما تكون أقصر من مدّة التدريس في المرحلة الثانية، وهذه بدورها أقصر من المرحلة الثالثة. لكن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه، والمهم هنا الذي لا ينبغي التهاون فيه أنّ المستوى الأول في كلّ علم الذي يضمّ بُنيتَه وعُمَد مسائله ينبغي أن يُقدَّم في التعليم، كيفما كان، ولا بدّ أن يُمتحن الطلاب فيه ليُتأكّد من إحكامهم إيّاه قبل الانتقال بهم إلى المستوى الثاني، والمستوى الثاني لا بدّ أن يشتمل من جديد على مسائل المستوى الأول وزيادة. فلا أقلّ من هذين التَّكرارين لتطبيق هذه الطّريقة.

العيب الرابع: الاعتماد على أسلوب التلقين في أكثر وقت الدرس:

لست من مناهضي أسلوب التلقين والمحاضرة في التدريس بالمطلق، ولكنّي من مناهضي الإكثار من الاعتماد على ذلك، كما هو الواقع في كثير من كلّيات الدراسات الشرعية.

يكاد يكون هناك شبه إجماع بين التربويين في هذه الأعصار، وهو الحقّ إن شاء الله، على أنّ التعلُّم النَّشِط الذي يُدمَج فيه الطالب في عملية التعلُّم أكثر جدوى، وأعظم ثمرة، من حيث استيعاب الطالب للعلم، وقدرته على الاحتفاظ به واسترجاعه، من التعلُّم السَّلبي الذي يقف فيه الطالب موقف المتلقِّي والمتفرِّج.

نعم يتفوّق أسلوب المحاضرة على أساليب التعلّم النّشِط بأنه يُمَكِّن المحاضر من تغطية قدرٍ أكبر من المحتوى العلمي في وقتٍ أقلّ، بينما تستغرق أساليب التعلّم النّشط وقتًا أطول لتغطية محتوى تعليميًّ أقلّ. ولهذا فالخير، في نظري، يكون بالجمع والموازنة بين الأسلوبين.

وطبيعةُ المحتوى، ونوعيّة الطّلبة، ربّما يُمليان على الأستاذ أيّ أسلوب يستخدم أكثر من الآخر، فالمحتوى النّظري السّهل والطالب الذكي لا يضرُّهما الإكثار من أسلوب المحاضرة، والمحتوى الصَّعب أو التطبيقي والطالب الضّعيف يناسبهما الإكثار من أساليب التعلُّم النَّشط.

ومع هذا، ومهما يكن المحتوى والطلبة، فينبغي أن لا يزيد التلقين المتواصل عن عشر دقائق أو نحوها، وبعد ذلك لا بدّ من إحداث تغيير، وإدماج للطالب من جديد في الدّرس، إمّا عن طريق طرح سؤال عامّ يستدعي التفكير، مع منح الطّلبة الوقت الكافي للتفكير في إجابته، أفرادًا أو جماعات، أو عن طريق تكليفهم، فرديًا أو جماعيًا، بالقيام بنشاطٍ كتابي قصير، أعدّه الأستاذ سابقًا، يُسهم في تعزيز فهم

(1) الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت