الطالب لمحتوى الدرس، أو غير ذلك من الأساليب التي يذكرها التربويون.
والفكرة هاهنا، هي عدم الوصول بالطالب إلى حدّ الملل، وشرود الذهن؛ لأنّه إن ملّ لم يستوعب بل ربّما كَرِه العلم، بل والأستاذَ نفسه، فعاد التدريس بنقيض ما يُراد منه، لأنّ القلوب إذا أُكرهت عَمِيت كما قيل. وقد صحَّ عن المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قوله: «يا أيّها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإنّ الله لا يملّ حتى تملّوا» [1] ، وهذا، وإن كان واردًا في العبادة، فإنّ طلب العلم الديني من أشرف العبادات، بل فضَّله كثيرون على النوافل بأجمعها حتى الجهاد في سبيل الله [2] .
وعن عبد الله مسعود، رضي الله عنه، قال: «حدِّثِ القوم ما أقبلت عليك قلوبُهم، فإذا انصرفت قلوبُهم فلا تحدِّثهم، قيل له: ما علامة ذلك؟ قال: إذا حدّقوك بأبصارهم، فإذا تثاءبوا، واتّكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم فلا تحدّثهم» [3] . وقال: «إن للقلوب نشاطًا وإقبالًا، وإنّ لها تولية وإدبارًا، فحدِّثوا النَّاس ما أقبلوا عليكم» [4] .
وعن أبي خلدة قال: «سمعت أبا العالية، يقول: حدِّث القوم ما حَمَلوا» ، قال: «قلتُ: ما"ما حملوا"؟ قال: ما نشطوا» [5] .
وفي وصية الشافعي لمعلّم ولد الخليفة: «ليكن أوّلُ ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحَ نفسك؛ فإنّ أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحَسَن عندهم ما تستحسنه والقبيح عندهم ما تركته. علّمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملُّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثمّ روِّهم من الشعر أعفّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنّهم من علمٍ إلى غيره حتى يُحكموه، فإنَّ ازدحام الكلام في السّمع مَضلّة للفهم» [6] .
لا ينبغي أن يُختلف في أهميّة الحفظ لطالب العلم الشرعي، لأنّ هذا العلم نقليٌ في الأساس، يعتمد على نصوص الكتاب والسنّة، ولا يحصل التمكُّن فيه، والملكة بفقهِه، حتى تكون كثيرٌ من هذه النّصوص من المتعلّم على بال، قابعةً في صدره، وحاضرًا معظمُها على طَرَف لسانه، ولا يُكتفى في ذلك بكونها في الصُّحُف؛ لأنّه إن لم يحفظها، ولو بالمعنى على الأقل، لم يتفطّن لها عند نزول الواقعات وحصول المناسبات التي يُحتاج إلى تطبيقها عليها؛ لأنّه ناسٍ لها أو غيرُ دارٍ بوجودها، هذا فضلًا عن أنَّ معرفته بمرامي الشارع ومقاصده تحتاج إلى الإحاطة بكثير من النّصوص وعلَلِها المنصوصة والمفهومة.
ولذلك قال تعالى في شأن القرآن: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} . [العنكبوت: 49] ، فَذَكر بأنّه في صدور العلماء لا في صُحُفهم. وقال في شأن قومٍ آخرين
(1) متفق عليه من حديث عائشة، رضي الله عنها، البخاري، الصحيح، (7/ 155) ، ومسلم، الصحيح، (1/ 450) .
(2) يُنظر: باب بعنوان"تفضيل العلم على العبادة". ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 99) .
(3) الخطيب لبغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/ 330) .
(4) الخطيب لبغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/ 330) .
(5) الخطيب لبغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/ 331) .
(6) أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (9/ 147) . ويُنظر: ابن قتيبة، عيون الأخبار، (2/ 182) ، والجاحظ، البيان والتبيين، (2/ 48) ، وابن عساكر، تاريخ دمشق، (38/ 271) .