يكتفون بما في الكتب دون حفظٍ وعقل وعمل: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . [الجمعة: 5] . وكثُر حثّ النبي، صلى الله عليه وسلم، على حفظ القرآن وتعهُّده، مع أمره بكتابته، فلو كانت الكتابة تكفي لاجتزأ بها.
وقال في شأن حفظ الحديث: «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» [1] . فدعا للحافظ الذي يَعي ما يحفظ. وقال أبو زيد الأنصاري، رضي الله عنه: «صلّى بنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلّى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلّى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا» [2] . وكره جماعة من السَّلف كتابة العلم لا لشيء إلا لأنّ ذلك يُقلّل الحفظ. وتراثنا التربوي حافلٌ بذكر أهميّة الحفظ وضرورته لطالب العلم، وأنّه لا تغني عنه الكتابة فلا نطوّل في سرد ذلك.
والعلوم الدينية في هذا تخالف العلوم الدّنيوية؛ لأنّ هذه الأخيرة، كما قلنا في مقدّمة هذا البحث، تعتمد في أكثرها على التعقّل والتجريب والتطبيق، لذلك لا يجدي الحفظ في تحصيلها إلا قليلًا. أمّا العلوم الدّينية، ومثلها اللّغة والتاريخ، فالحفظ ضروريٌ فيها؛ لأنّها قائمة على النّقل، ولا تحصل الملكة فيها إلا بالتمكُّن من محتواها المنقول، ثمّ استثماره والبناء عليه. قال ابن خلدون (ت: 808 هـ) ، رحمه الله، في شأن تحصيل الملكة العلمية في اللّغة العربية: «إنّ حصول ملكة اللّسان العربيّ إنّما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتّى يرتسم في خياله المنوال الّذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه، ويتنزّل بذلك منزلة من نشأ معهم، وخالط عباراتهم في كلامهم حتّى حصلت له الملكة المستقرّة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم» [3] . قلتُ: وكذلك لا تحصل الملكة في العلوم الدينية الغائية إلا لمن حفظ كثيرًا من النصوص الشرعية، وتدبَّرها، وتأمّل كلام الفقهاء والمفسّرين في فهمها، ثم نسج على منوالهم.
وعليه، فإذا كان الحفظ عديم الأهميّة أو قليلها في العلوم الدنيوية، فهو ليس كذلك في العلوم الدينية. ويُخطئ من يسوّي بين العلوم النّقليّة والعلوم العقليّة والتجريبيّة في هذا الشأن، كما يفعله كثيرٌ من المعاصرين الذين اعتادوا النّقل عن الغربيين دون تمحيص وتمييز.
ورغم أهميّة الحفظ هذه، فإنَّ فهم المحفوظ على اختلاف مراتب الفهم من سطحيٍ ومتوسّط وعميق، مع ما يتبع ذلك من ممارسةٍ وتطبيقٍ للقواعد المتعلَّمة، أو تحليلٍ للمحتوى المفهوم وتقييمه، أو البناء عليه والإبداع فيه، أهمّ من الحفظ بكثير. ولذلك فإنّ المستهجن والمرفوض في كلّيات الدراسات الشرعية ليس هو مجرد تطلُّبِها للحفظ والاستظهار في تدريس المقرّرات، وإنّما تركيز كثيرٍ منها على ذلك فقط مع الاكتفاء بدرجة سطحيّة من الفهم والتصوّر، ومن ثَمَّ تهميش تنمية القدرات العقلية الأعلى للمتعلِّم كالتطبيق والتحليل والتقييم والإبداع. وهذا ليس هو ما أراده الله، تعالى، لكتابه ودينه الذي أمر باتّباعه.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} . [التوبة: 122] . والتفقّه هو التّفهُّم والتدبُّر والتعمُّق لا مجرّد
(1) أخرجه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه وغيره. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني.
(2) مسلم، الصحيح، (4/ 2217) .
(3) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 774)