الصفحة 26 من 46

العيب الثاني: تزاحم العلوم في خطط التدريس وبرامجه:

والمقصود بذلك، أنَّ طالب الدِّراسات الشرعية في كثير من الجامعات يدرس في الفصل الدراسي الواحد أو السنة الواحدة علومًا مختلفة تصل إلى أربعة أو أكثر، فيدرس في وقتٍ واحد مقرَّرًا في الفقه وآخر في الحديث وثالثًا في العقيدة ورابعًا في السيرة وغير ذلك، وربما ضَمّ إلى ذلك دراسة بعض المقرّرات غير الشرعية، مِمّا يُسمّى بالمتطلَّبات العامّة للجامعة.

وهذا التزاحم في أنواع العلوم المفروضة على الطالب في وقت واحد، مع ما سبق أن قلناه من ضعف نوعية أكثر الطلبة الملتحقين بالدِّراسات الشرعية، يؤدّي غالبًا إلى إرباك الطالب واضطرابه وفقده التركيز. فيكون حالُه كما قال الشاعر:

تكاثرت الظِّباء على خِراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيدُ

ونتيجة لذلك يضطر الأساتذة إلى تخفيف محتوى المقرّرات وتمييعه مراعاةً لحال هؤلاء الطّلاب الضِّعاف؛ لأنَّهم السّواد الأعظم.

وفي تراثنا التربوي تحذيراتٌ كثيرةٌ من هذا الأسلوب في التعليم، فلم يكن الأوائل يسمحون بتعدّد أصناف العلوم وتنويعها على الطالب في وقت واحد إلا إذا كان ذكيًّا نشيطًا.

فعن ابن شهاب الزهري، (ت: 125 هـ) ، رحمه الله، قال: «يا يونس، لا تكابر العلم؛ فإنّ العلم أودية، فأيّها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جُملة؛ فإنّ من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام» [1] .

وعن الشافعي (ت: 204 هـ) ، رحمه الله: أنّه أوصى معلّم ولد الخليفة الرشيد بقوله: « ... ولا تخرجنّهم من علم إلى غيره حتى يُحكِموه، فإنّ ازدحام الكلام في السّمع مَضِلّة للفهم» [2] .

وقال الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله: «مهما توزّعت الفكرة قَصُرت عن درْك الحقائق؛ ولذلك قيل: العلمُ لا يعطيك بعضَه حتى تعطيَه كُلَّك، فإذا أعطيتَه كُلَّك فأنت من إعطائه إيّاك بعضَه على خطر. والفكرة المتوزِّعة على أمور متفرّقة كجدولٍ تفرّق ماؤه فنشَّفَت الأرضُ بعضَه، واختطف الهواء بعضه، فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزدَرَع» [3] .

وقال ابن خلدون عن ابن العربي (ت: 543 هـ) ، رحمه الله: «ونهى مع ذلك أن يُخلَط في التّعليم عِلمان إلّا أن يكون المتعلّم قابلًا لذلك بجودة الفهم والنّشاط» [4] .

وقال الزرنوجي (ت: بعد 593 هـ) ، رحمه الله: «فينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذٍ، وعلى كتابٍ، حتى لا يتركه أبتر، وعلى فنٍّ حتى لا يشتغل بفنٍّ آخر قبل أن يُتقن الأول، وعلى بلدٍ حتى لا ينتقل إلى بلد

(1) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 431) .

(2) أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (9/ 147) . وينسب أهل الأدب هذه الوصية إلى عتبة بن أبي سفيان، (ت: 43 ه) ، أخي معاوية بن أبي سفيان. يُنظر: ابن قتيبة، عيون الأخبار، (2/ 182) ، والجاحظ، البيان والتبيين، (2/ 48) ، وأسندها ابن عساكر إليه في تاريخ دمشق، (38/ 271) .

(3) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/ 50) .

(4) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 742) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت