الصفحة 27 من 46

آخر من غير ضرورة، فإنَّ ذلك كلَّه يفرّق الأمور، ويشغل القلوب، ويضيِّع الأوقات، ويؤذي المعلّم» [1] .

وقال ابن جماعة (ت: 733 هـ) ، رحمه الله: «وكذلك يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنّفات، فإنّه يضيّع زمانه ويفرّق ذهنه، بل يُعطِي الكتاب الذي يقرؤه، أو الفنّ الذي يأخذه، كلّيّتَه حتّى يتقنه، وكذلك يحذر من التنقُّل من كتاب إلى كتاب من غير مُوجب فإنّه علامة الضّجر وعدم الإفلاح» [2] .

وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ) ، رحمه الله: «ومن المذاهب الجميلة والطّرق الواجبة في التّعليم أن لا يُخلَط على المتعلّم عِلمان معًا، فإنّه، حينئذ، قلّ أن يظفر بواحدٍ منهما؛ لِما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كلّ واحد منهما إلى تفهّم الآخر فيستغلقان معًا، ويستصعبان، ويعود منهما بالخيبة. وإذا تفرّغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرًا عليه فربّما كان ذلك أجدرَ لتحصيله» [3] .

وقال الشيخ زكريا الأنصاري (ت: 926 هـ) ، رحمه الله، في آفات التعلُّم: «ومنها: التنقُّل من علمٍ قبل إتقانه إلى آخر، ومن شيخ إلى آخر قبل إتقان ما بدأ به عليه، فإنَّه هدمٌ لما قد بُنِي» [4] .

وقال الزبيدي (ت: 1205 هـ) ، رحمه الله: «كرهوا للمتعلِّم من الاشتغال في درسين في علمين مستقلّين لئلا تتوزّع الفكرة، ومن الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ آخر قبل استكمال الأول» [5] .

وقال بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ، رحمه الله: «طلاب المدارس النِّظاميّة يُفرّقون المجالس، وربّما لم ينظروا في العلم الواحد أكثر من مرّة في الأسبوع. وهذا من جملة فساد التّعليم في تلك المدارس، وسرٌّ من أسرار ضعف مَلَكات المتخرّجين منها فيما استفادوا منها من العلوم» [6] . وقال: «هذه الطّريقة كغيرها من الطُّرُق الحسنة في التعليم مهجورة في المدارس كافّة: شرعيّة ونظاميّة، فطلاب المدارس الشرعيّة يشتغل أحدهم في ثلاثة فنون دفعة واحدة، وطلاب المدارس النّظاميّة ربّما اشتغل أحدهم بسبعة فنون في زمنٍ واحد، والضّرر في هذا المسلك كثير» [7] .

ويزداد الطّين بِلّةً، عندما لا يُراعى الترتيب في دراسة العلوم نتيجةً لتزاحمها، فيدرس الطالب علوم الغايات قبل علوم الآلات أو معها، فمثلًا يدرس «الفقه المقارن» أو «الخلاف» قبل أن يدرس «أصول الفقه» و «علوم الحديث» ، ويدرس «التّفسير» قبل أن يدرس مقدِّمةً في «النّحو» . وهذا ممّا يقع كثيرًا في ظلّ نظام الساعات المعتمدة الحرّ الذي يُوكِل اختيار المقرّرات المدروسة إلى رغبة الطالب.

قال أبو هلال العسكري (ت: 395 هـ) ، رحمه الله: «المقدَّم إذا أُخِّر، والمؤخَّر إذا قُدِّم، بَطل نظامُ التعليم، وضلَّت مقدِّمات الأمور، فأدّى المتعلّمَ ذلك، وإن اجتهد، إلى البعد والتأخُّر، وعلى قدْر الأساس

(1) الزرنوجي، تعليم المتعلّم طريق التعلم، ص 22.

(2) ابن جماعة، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ص 51.

(3) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 736) .

(4) زكريا الأنصاري، اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم، ص 21.

(5) الزبيدي، اتحاف السادة المتقين، (1/ 311) .

(6) الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 236.

(7) الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت