الصفحة 28 من 46

يكون البناء» [1] .

وقال الماوَردي (ت: 450 هـ) ، رحمه الله: «اعلم أنّ للعلوم أوائلَ تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها لتفضي إلى حقائقها. ولا يطلب الآخِر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل. فلا يدرك الآخِر ولا يعرف الحقيقة؛ لأنّ البناء على غير أُسٍّ لا يُبنى، والثمر من غير غرس لا يُجنى» [2] .

وقال الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله، في آداب المتعلّم: «الوظيفة السادسة: أن لا يخوض في فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب، فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يخوض في فنّ حتى يستوفي الفنّ الذي قبله، فإنّ العلوم مرتبة ترتيبًا ضروريًا، وبعضُها طريقٌ إلى بعض. والموفّق مراعي ذلك الترتيب والتدريج» [3] .

وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) ، رحمه الله: «تقليل المحفوظ مع الدّوام أصلٌ عظيم. وألا يشرع في فنٍّ حتى يُحكِم ما قبله» [4] .

وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ) ، رحمه الله: «النّظر في القرآن والحديث لا بدّ أن تتقدّمُه العلوم اللّسانيّة؛ لأنّه متوقّفٌ عليها» [5] .

وقال الشوكاني (ت: 1250 هـ) ، رحمه الله: «ما اشتغل بالمقاصد قبل المبادئ إلا المتعلّم الأهوج» [6] .

وفي ضوء قاعدة تجنُّب التخليط هذه، ومُراعاة الترتيب، التي تكاد تُجمع عليها أدبيّات التعليم في تراثنا [7] ، ينبغي عند تصميم الخطط الدّراسية، أخذ هذه القاعدة بعين الاعتبار، وحمْلها على محمل الجدّ،

(1) أبو هلال العسكري، الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، ص 49.

(2) الماوردي، أدب الدنيا والدين، ص 48.

(3) الغزالي، ميزان العمل، ص: 348.

(4) ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص 192.

(5) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 550) .

(6) الشوكاني، وبل الغمام، (1/ 49) .

(7) تنبَّه الغربيُّون لهذا الأمر مؤخّرًا، فانتشر في الولايات المتَّحدة في أوائل التسعينيات من القرن الماضي نوعٌ خاصّ من جدولة الدّروس يُسمى الجدولة الفردية Block Scheduling، وهو يقوم على فكرة منع تدريس علمين في وقت واحد، (One Course at a Time) وذكروا من فوائد هذه الطريقة، زيادة تركيز الطالب، زيادة التفاعل مع المعلِّم، زيادة في التحصيل والدرجات، انخفاض في نسب التغيب، سيطرة أكبر للطالب على الواجبات، وغيرها. ومع هذا فالدراسات التربوية بعد ذلك لم تعط نتائج كبيرة في جدوى هذا النَّمط من ترتيب الدروس، وبعضها ذكر له بعض السلبيات في تدريس بعض العلوم كاللغات الأجنبية، والموسيقى؛ ولذلك فإنَّ عدد مؤسسات التعليم العالي التي تتبنى هذا النَّمط من ترتيب الدروس أقلّ بكثير من تلك التي لا تسير عليه (يُنظر: http://www.planetbauer.com/colleges.htm) . وعند التأمُّل، فإنَّ معظم السَّلبيات التي تذكرها بعض الدراسات لهذا النّمط من ترتيب الدروس راجع إلى موادّ بعينها، هي المواد التطبيقية التي تحتاج إلى تمرن دائم لفترات طويلة حتى الوصول لمرحلة الاتقان، وراجع أيضًا إلى نسبة أقل في القدرة على استرجاع المعلومات بعد فترة من الزمن مقارنة بالتدريس بالنمط الشائع حاليًا، وهو الذي تتزاحم فيه العلوم. وهذه السلبيات لا تحصل في النظام التعليمي الذي دعا له علماؤنا من قبل، والسّبب أنّهم نصُّوا على طريقة إعطاء العلم في ثلاثة تكرارات متباعدة كما سنراه فيما بعد. وهذا التكرار يعزز التذكر على نحو ملحوظ. والثاني أنهم ذكروا أن الانتقال من علم إلى آخر لا يكون محصورًا بوقت، بل بعد أن يُحكِم الطالب العلم السابق ويتقنه، أي أن يكون النجاح فيه بدرجة عالية قريبة من التمام، على طريقة ما يُسمّى في علوم التربية بـ التعليم حتى الإحكام (Mastery learning) . وهي طريقة أثبتت نجاعة كبيرة ونتائج مذهلة وإن كانت ذات تكلفة مرتفعة نسبيًا. ينظر في الجدولة الفردية والتعليم حتى الإحكام: موقع وكيبيديا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت