الصفحة 38 من 46

وأشهره. وقواعد الفقه ورؤوس مسائله الكبرى دون فروعها، وأمّا علوم الآلة كعلوم الحديث وأصول الفقه، فإنّ الحفظ للقواعد في هذه العلوم وحدَه لا يكاد يغني شيئًا، بل لا بدّ من ممارسة هذه القواعد والتركيز على التطبيق والمحاورة والمناظرة والمذاكرة دون الحفظ حتى يتولّد لدى المتعلم شيءٌ من الملكة فيها. نعم، لا غنى للمتعلّم عن حفظ المباني الكبرى لهذه العلوم وأهمّ اصطلاحاتها، ولعلّه يكفيه في ذلك حفظ أقصر متن للمبتدئين فيها، دون توسُّع في ذلك، ليوفّر حافظته وجُهده لحفظ الأصول في علوم الغاية كالتفسير والحديث والفقه، فإنّه من أشدّ الخلل في رَوْم التّعليم التشاغل بعلوم الآلة عن علوم الغاية التي هي مطمح النّظر، وخلاصة العلم، وميدان الفوائد؛ فمن الحماقة أن يتشاغل المحارب بصناعة سيفه وصقله وشحذه وتزيينه دون الذهاب به إلى المعترك، أو أن يتشاغل من أراد السّفر بصناعة المركب وتزيينه وملئه بالزاد والعتاد دون أن يخوض به في غمار البحر.

العيب السادس: خلوّ أكثر المقررات من محتوى روحي:

تتّصف كثيرٌ من المقرّرات في الدراسات الإسلامية بالجفاف الرّوحي، ويتقيَّد كثيرٌ من الأساتذة بالمحتوى الموصوف لهم في هذه المقرّرات، فلا يحاولون ترطيبها بمادّة روحية أو وَعْظية ترقى بمستوى المتعلِّمين إيمانيًّا وخُلُقيًّا وروحيًا. وهذا، بدوره، ينعكس على صفات المتعلّمين وأخلاقهم، فتجد كثيرًا منهم لا يتميّز عن دارسي العلوم الدّنيوية بأدبٍ أو خلق أو عمل.

وهديُ السَّلف الكرام في التعليم لم يكن على هذا النّحو، فقد قَرَن الحقُّ، جلَّ شأنُه، التزكية مع التعليم في ثلاث آيات من كتابه:

فقال تعالى، حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . [البقرة: 129] .

وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . [آل عمران: 164] .

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . [الجمعة: 2] .

فمرةً قدَّم، سبحانه وتعالى، التزكية على التعليم، ومرةً قدَّم التعليم عليها. ولعلّ هذا إشارةٌ إلى أهميتها قبل التعليم، ومعه، وبعده، والله أعلم. والتزكية هي تطهير النُّفوس من رذائل الصّفات ومساوئ الأخلاق، لتصلح لاستقبال العلم والحكمة. فالتزكية تنقية، والتعليم تحلية، والتزكية طهارة، والتعليم عِمارة، والتزكية تهيئة والتعليم تنشئة. والتزكية إخلاء والتعليم بناء. ولم يكن هذان الأمران منفصلين في عهود السلف إلى أن تمايزت العلوم فيما بعد فصار هناك شيخ لإقراء القرآن، وآخر للحديث، وثالث للفقه، ورابع للاعتقاد، وخامس للتربية والتصوّف ... وهكذا. وهذا الفصل والتمايز كانت له إيجابياته وسلبياته.

وفي هذا الزمن فُقِد شيخ التربية في كلّيات الدّراسات الإسلامية إلا قليلا، فكان لا بدّ من تعويض هذا النّقص عن طريق تضمين جزءٍ تربوي روحي في كلّ مقرّر من المقرّرات، تخليصًا لها من آفة الجفاف، فضلا عن أنَّ للروحانيات أثرًا بالغًا في الجانب المعرفي، يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.

ولا يكفي في ذلك، في نظري، فرض مقرّرٍ أو مقرّرين على الطلاب في التصوّف والأخلاق؛ لأن التزكية أهمّ من العلم نفسه، بل هي غايته وثمرته؛ إذ تُورث المتعلّم التقوى، وتصرف عنه الرياء، وتعلّمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت