المدّة لأجل عسرها من قلّة الجودة في التّعليم خاصّة لا مِمّا سوى ذلك» [1] .
وقال بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ، رحمه الله:
«وتنحصر الأسباب في عدم نجاح المدارس النِّظاميّة في البلاد المشرقيّة في أمرين: أحدهما من قِبل المعلّمين، والآخر من قِبل التلامذة. أمّا الذي من قِبل المعلّمين فهو اكتفاؤهم من التلامذة بحفظ مَسائل الكتب التي يُقرئونهم إيّاها، بحيث إذا سُئلوا عنها أجابوا بلفظ الكتاب من غير زيادة ولا نقصان، بدون نظر منهم فيما إذا كان في وُسْع هؤلاء التلامذة تطبيق ما حفظوه من القواعد على الفروع الجزئية، والانتفاع به عند مَسيس الحاجة أو لا. والأمر الثاني: اكتفاء التلامذة من أنفسهم بهذا المقدار، فإنّ الطالب إذا دخل المدرسة لم يكن همُّه إلا الحصول على الشهادة، سواء حصل منها ما ينتفع به بعد خروجه أو لا، فهو يبذل جهده في حفظ نصوص الكتب حتى إذا سُئل عنها أجاب، وإن لم يفقه لها معنى، ولا أمكنه أن يستفيد منها الفائدة التي من أجلها دُوّن الفنّ وأُلِّف الكتاب» [2] .
وقال المنفلوطي (ت: 1343 هـ) ، رحمه الله:
«العلم علمان، علمٌ محفوظ وعلمٌ مفهوم، أمّا العلم المحفوظ فيستوي صاحبُه فيه مع الكتاب المرقوم، ولا فرق بين أن تسمع من الحافظ كلمةً، أو تقرأ في الكتاب صفحة ... أمّا العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعِّلم بينها وبين علوّ الهمّة طار إلى المجد بجناحين، وكان له سبيلٌ مختصر إلى منزلة العظماء ودرجة النابغين» . قال: «فإذا سمعت ذِكر العلم فاعلم أنّه العلم المفهوم لا المحفوظ، وإذا أردت أن تُلقِّبَ بالعالم فلا تُلقِّبْ به من يحفظ بل من يفهم ما يحفظ، وآيةُ فهم المعلوم تأثُّر العالم به، وظهوره في حركاته وسكناته، وترقرُقُه في شمائله ترقرق الصَّهباء في وجه شاربها، ولا تثق بالحافظ فيما ينقل إليك فربَّما مرَّ بالمعلوم مُحرَّفًا فأخذه على علّاته، وأقبح ما عرفنا من أطواره أنَّه يجمع في حافظته بين النقيض ونقيضه، والغثّ والثمين، والجيِّد والزائف، فكأنَّ ذاكرته حانوتُ عطّار اختلطت فيها الأدوية الشافية بالعقاقير السامّة» [3] .
ونخلص من هذا كلِّه إلى أنّ الحفظ في الدّراسات الشرعية رغم أهميته فليس مقصودًا لذاته، وإنّما لأنّه وسيلة للفهم والاستيلاء على أركان العلم وأطرافه ومنقولاته وتحصيل الملكة فيه.
وعلى هذا، وبالنّظر إلى قِصَر المدّة الدراسية في التعليم في المرحلة الجامعية فأرى أن يُقصر الحفظ فيها على اللبّ دون القشر، وعلى النّص الشرعي دون الرأي، وعلى الأصول دون الفروع، وأن يوجّه جُلّ الحفظ إلى علوم الغايات لا إلى علوم الآلات. ومن ذلك القرآن الكريم، وأشرف الحديث
(1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 543) .
(2) الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 71.
(3) المنفلوطي، النظرات، (1/ 287) .