الصفحة 36 من 46

وقال الزرنوجي (ت: بعد 593 هـ) ، رحمه الله: «وينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ بالتأمُّل وبالتفكّر وكثرة التَّكرار ... قيل: حفظ حرفين خيرٌ من سماع وِقْرين، وفهم حرفين خيرٌ من حفظ سطرين .... وإذا تهاون في الفهم ولم يجتهد مرّة أو مرّتين يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير، فينبغي أن لا يتهاون في الفهم بل يجتهد ويدعو الله ويتضرَّع إليه» [1] .

وكبار علماء الأمّة، كالأئمة الأربعة، رحمهم الله، ومَن قبلَهم ومَن بعدَهم، رغم اتّساع محفوظهم، فإنّ ذلك لم يكن على حساب الفهم والإبداع والتحليل والتقييم، لا سيّما الفهم في النّصوص كتابًا وسنّة.

قال إسحق بن راهويه (ت: 238 هـ) ، رحمه الله: «ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكّة فسألته عن أشياء، فوجدتُّه فصيحًا حسن الأدب، فلمّا فارقناه أعلمني جماعةٌ من أهل الفهم بالقرآن أنّه كان أعلم النّاس في زمانه بمعاني القرآن، وأنّه قد أُوتي فيه فهمًا، فلو كنتُ عرفتُه للزمتُه» [2] . وقال أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ) ، رحمه الله: «لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث» [3] .

وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ) ، رحمه الله:

«الحِذْق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنّما هو بحصول ملكةٍ في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحِذْق في ذلك الفنّ المتناوَل حاصلًا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنّا نجد فهم المسألة الواحدة من الفنّ الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفنّ، وبين من هو مبتدئٌ فيه، وبين العاميّ الّذي لم يعرف علمًا، وبين العالم النّحرير. والملكة إنّما هي للعالم أو الشّادي في الفنون دون من سواهما فدلّ على أنّ هذه الملكة غير الفهم والوعي. وأيسرُ طرق هذه الملكة فَتقُ اللّسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلميّة، فهو الّذي يقرّب شأنها ويحصّل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلميّة سكوتًا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة. فلا يحصلون على طائل من ملكة التّصرّف في العلم والتّعليم. ثمّ بعد تحصيل من يرى منهم أنّه قد حَصّل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علّم، وما أتاهم القصور إلّا من قِبَل التّعليم وانقطاع سنده. وإلّا فحفظُهم أبلغ من حفظ سواهم لشدّة عنايتهم به، وظنّهم أنّه المقصود من الملكة العلميّة، وليس كذلك. وممّا يشهد بذلك في المغرب أنّ المدّة المعيّنة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ستّ عشرة سنة، وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدّة بالمدارس على المتعارف هي أقلّ ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلميّة، أو اليأس من تحصيلها، فطال أمدُها في المغرب لهذه

(1) الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص 41.

(2) الشافعي، مسند الشافعي، مقدمة المحقق، ص 4.

(3) الشافعي، مسند الشافعي، مقدمة المحقق، ص 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت