الصفحة 19 من 46

سوء القصد عائدٌ، في الغالب، على سيِّء القصد نفسه. أمّا حصول الكفاءة والأهليّة العلميّة ونفع المسلمين، فإنّ هذا لا يتوقّف على نيّة المشتغل بالعلم دائمًا، إذ قد ينفع الله بمن ساءت نِيَّتُه من العلماء كثيرًا من النّاس؛ ولذلك جاء في الحديث، عنه صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» [1] ، و «إنّ الله سيؤيّد هذا الدين بأقوامٍ لا خلاق لهم» [2] ، وفي خصوص العلم نفسه جاء عنه، صلى الله عليه وسلم: بأنّ «مثل العالم الذي يُعلِّم النّاس الخير وينسى نفسه، كمثل السِّراج يضيء للنّاس ويحرق نفسه» [3] ، وعن إبراهيم النّخَعي وعامر الشعبي، رحمهما الله، قالا: «يطّلع قومٌ من الجنّة إلى قوم في النار، فيقولون: ما أدخلكم النار، وإنّما دخلنا الجنة بتأديبكم وتعليمكم؟! فيقولون: إنّا كنّا نأمر بالخير ولا نفعله» [4] . وعن حاتم الأصمّ قال: «ليس في القيامة أشدُّ حسرةً من رجل علّم النّاس علمًا فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو» [5] .

وربّما يكون من الحلّ الممكن تقديم الكلّيات الشرعيّة المنحَ المجزية للمتميّزين من الطلاب في المراحل المدرسيّة، وحثُّ أهل الخير على تخصيص وقفٍ خاصِّ لإعداد العلماء، مهمّة القائمين عليه البحث عن هؤلاء المتميّزين في مراحل مبكّرة من أعمارهم وتوجيههم وتقديم الدّعم المادّي والمعنوي لهم ولذويهم، وتشجيعهم على الالتحاق بسلك العلوم الشرعية بكافّة الوسائل الممكنة.

السبب الثاني في ضعف خرّيجي كلّيات الدراسات الشرعية: وهو

سوء مناهج التعليم وطُرق التدريس:

سوء مناهج التعليم وطرق التدريس من أكبر معيقات طلب العلم، ولذلك ذكر الأقدمون «المعلّم الحاذق» شرطًا في تمكُّن الطالب من العلم، كما أوردناه سابقا [6] ، وما ذلك إلا لأنّ الحاذق خبيرٌ بطرق التعليم التي تناسب المتعلّم. وسوء مناهج التعليم وطرق التدريس إن لم يؤدِّ إلى قطع الطالب عن العلم، وصدّه عن التحقُّق فيه بالكُلِّية، لا سيّما ضعيفي القريحة من الطلبة ومتوسطيهم، فإنّه لا محالة يؤخّر الوصول إلى الغاية منه، حتى مع فرْض ذكاء الطالب وجودة قريحته. فالأمر كما قال الشيخ الطّاهر بن عاشور (ت: 1393 هـ) ، رحمه الله: «إنّي على يقين أنّني لو أُتيح لي في فجر الشباب التشبُّع من قواعد نظام التعليم والتوجيه، لاقتصدت كثيرًا من مواهبي، ولاكتسبت جمًّا من المعرفة، ولسلمت من التطوّح في طرائِقَ تبيّن

(1) البخاري، الصحيح، (4/ 72) . ومسلم، الصحيح، (1/ 105) .

(2) أحمد، المسند، (34/ 105) ، وصحّحه الأرناؤوط والألباني.

(3) الطبراني، المعجم الكبير، (2/ 165) . وجوّد إسناده الألباني.

(4) رواه عن إبراهيم النّخعي من قوله البيهقي في شعب الإيمان، (3/ 301) ، ورواه عن عامر الشعبي ابنُ المبارك في الزهد والرقائق، (1/ 21) . وقد أخطأ بعضُهم فرفعه من حديث الوليد بن عقبة، كما عند الطبراني في الأوسط، (1/ 37) ، والكبير (22/ 150) . قال الهيثمي عن الحديث المرفوع، مجمع الزوائد، (1/ 185) : «فيه أبو بكر عبد الله بن حكيم الداهري، وهو ضعيف جدًا» ، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، (3/ 429) ، وقال: ضعيف جدًا.

(5) ذكره عنه الغزالي في إحياء علوم الدين، (1/ 63) .

(6) يُنظر ما نقلناه عن العسكري ص 15 من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت