قال للإمام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إنّ الموسم يجمع الرَّعَاع والغَوغاء فأمهلْ حتى تقدُمَ المدينة فتخلُص بأهل الفقه، فقدمنا المدينة، فقبِل عمر مشورة ابن عبّاس فلم يتكلّم بذلك حتى قدم المدينة [1] . قال الإمام ابن الجوزي: وفي هذا تنبيهٌ على أن لا يُودع العلم عند غير أهله، ولا يُحدَّث القليلُ الفهم ما لا يحتمله فهمُه، والرَّعَاع السَّفلة، والغَوغاء نحو ذلك» [2] .
العلاج والدواء:
وحلُّ مشكلة ضعف إقبال المطبوعين والأذكياء على تعلّم العلوم الشرعية عسير، لأنّه، في الغالب، خارجٌ عن قدرة المؤسّسات العلمية الشرعية نفسها، لارتباطه بسياسة الدُّوَل، فالنّاس على دين ملوكهم كما قيل. وهذه الدول - إلا ما رحم ربي - لا تشجِّع مادّيًّا ولا إعلاميًا على دراسة العلوم الدّينية، والموظّفون الشّرعيُّون فيها هم في أدنى المراتب الوظيفية والأحوال الاجتماعية.
فإن قيل: كأنّك ترى الدّعم المادّي الدُّنيوي، وإيجاد فرص العمل المجزية لخرّيجي العلوم الشرعية سبيلًا لزيادة عدد المقبلين على دراسة هذه العلوم، ومن ثَمَّ تحسُّن نوعيّة الخرّيجين. أفلا يقدح ذلك في ابتناء طلب العلوم الشرعية على الإخلاص، وأنّه لا يصحّ أن يكون المقصود بطلبها وتحصيلها عَرَض الدّنيا كما دلّت عليه الآثار.
فالجواب: بلى يقدح، لكن المأمول أن يُجبر العلمُ نفسُه طلّابَه على تصحيح نيّاتهم بعد شروعهم فيه، كما حدث ذلك لطائفة كبيرة من العلماء سلفًا وخلفًا؛ إذ قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له [3] . فلا بأس أن يكون القصد دنيويًا في البدايات، لكنّه ينبغي أن يتغيّر بعد ذلك، وينبغي أن تشتمل مقرَّرات التدريس على عنصر ثابت فيها، وهو تذكير الأساتذة طلابهم وتحريضهم على تصحيح النيّة وإخلاصها.
وحتى لو افترضنا عدم تغيُّر النيّة، مع هذا التذكير والتحريض، في حقِّ بعض الطالبين، فإنّ ضرر
(1) قلتُ: والمشير بذلك، كما في الصحيحين، هو عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه. وابنُ عباس، رضي الله عنهما، إنّما هو راوي القصة عنه.
(2) السّفاريني، غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، (1/ 58) .
(3) عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «تعلّموا العلم صغارا تنتفعوا به كبارا، تعلموا العلم لغير الله ليصر لذات الله» . أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة، (2/ 677) . وعن الحسن البصري وسفيان الثوري كليهما قالا: «كنّا نطلب العلم للدّنيا فجرّنا إلى الآخرة» . ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 747، 749) . وعن مجاهد، قال: «طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزق الله النية بعد» . البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ص 327. وعن محمد بن إسحاق قال: «جاء قوم إلى سماك بن حرب يطلبون الحديث فقال جلساؤه: ما ينبغي لك أن تحدِّث هؤلاء؛ ما لهؤلاء رغبة ولا نيّة، فقال سماك: قولوا خيرًا، قد طلبنا الأمر ونحن لا نريد الله به، فلمّا بلغتُ حاجتي دلّني على ما ينفعني وحجزني عمّا يضرني» . البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ص 326. وعن حبيب بن أبي ثابت، قال: «لقد التمست أو التمسنا هذا وما نريد به ثمّ رزق الله نيّةً بعد» . البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ص 327.وعن معمر قال: «كان يُقال: إنّ الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله» . معمر بن راشد، جامع معمر بن راشد، (11/ 256) . وعن سفيان ابن عيينة: «طلبنا هذا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون» . ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 750) .