يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنَّهم يُصلحون» [1] . وقال: «رأيت ممَّن طالع العلوم، وعَرَف عهود الأنبياء، عليهم السّلام، ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدَّمُهُ في خُبث السّيرة، وفسادِ العلانية والسّريرة، شِرارُ الخلق. وهذا كثيرٌ جِدًا» [2] .
وقال الخطيب البغدادي (ت: 463) ، رحمه الله: «حقُّ الفائدة أن لا تُساق إلا إلى مبتغيها، ولا تُعرض إلا على الرّاغب فيها» [3] .
وقال الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله:
«نور العقل كرامةٌ لا يَخُصُّ اللهُ بها إلا الآحادَ من أوليائه، والغالب على الخلق القصور والإهمال، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول، كما لا تدرك نورَ الشمس أبصارُ الخفافيش. فهؤلاء تضرُّ بهم العلوم، كما تضرُّ رياحُ الوَرد بالْجُعَل» [4] . وقال: «فإن وَجَد [العالِمُ] ذكيًّا مستعدًّا لقبول الحقائق العقليّة، جاز أن يساعده على التّعليم، إلى أن تنحلَّ له الشُّبُهات، وقد حُكي عن بعض الأُمم السّالفة أنَّهم كانوا يختبرون المتعِّلم مُدّةً في أخلاقه، فإن وجدوا فيه خُلقًا رديًَّا منعوه التعلُّم أشدَّ المنع. وقالوا: إنّه يستعين بالعلم على مقتضى الخُلُق الرّدي، فيصير العلم آلةَ شرٍّ في حقّه، وإن وجدوه مهذّب الأخلاق قيَّدوه في دار العلم، وعلّموه، وما أطلقوه قبل الاستكمال، خيفةَ أن يقتصر على البعض، ولا تكمُلُ نفسه، فيُفسِدُ به دينَه ودينَ غيره، وبهذا الاعتبار قيل:"نعوذ بالله من نصف متكلّم، ونصف طبيب، فذلك يفسد الدّين، وهذا يفسد الحياة الدنيا"» [5] .
وقال محمد بن أحمد السّفَّاريني الحنبلي (ت: 1188 هـ) ، رحمه الله:
«على العالم كتمُ علمه عمَّن لا يقوم بناموسه، أو من يتّخذُه سُلَّما لتناول ما لا يحلُّ تناوله، أو من يحمله على غير محامله. وآخرُ من رأينا من الأئمة من يتحرّج من سماع من لا يصلح شيخنا الإمام النّقي الهُمام التّقي عبد القادر التغلبي، فإنّه امتنع أن يُقرئ جماعة المحكمة والحُكّام، فقلت له في ذلك، فقال: إنّ هؤلاء يتّخذون العلم وسيلةً لاصطياد الدّنيا، ويتعلّمون مسائل الخلاف ليحكموا فيها بالتّشهّي، أو كلامًا هذا معناه، وقد قال أصحابنا: من تتبّع الأقوال الضّعيفة، ومسائل الاختلاف، وحكم فيها بالتَّشهي، فهو مُضِلّ ...
والحاصل أنَّ العلم كالسَّيف إن أعطيته لتقيٍّ قاتل به في سبيل الله، وإن ألقيتَه لشقيٍّ قطع به الطّريق وأضرّ عباد الله ...
وأمّا عدم صيانة ناموس العلم ففي الصحيحين أنّ ابن عباس، رضي الله عنهما،
(1) ابن حزم، الأخلاق والسير، ص 67.
(2) ابن حزم، الأخلاق والسير، ص 70.
(3) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/ 330) .
(4) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 15. والجُعَل: نوع من الحشرات أسود، وهو الخنفس الذي يغتذي بالقاذورات.
(5) الغزالي، ميزان العمل، ص 37.