الصفحة 16 من 46

فيها، تولّدت له الشبهة، وكثُرت، فيصير ضالّا مضلًّا، فيعظُم على النّاس ضرره» [1] . وقال بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ، رحمه الله: «من أشدِّ الأشياء ضررًا على العلم والمتعلِّمين، أن يتولَّى أمر التعليم من لا يحسِنُه، ولا يتقنه، ولم يُحَصِّل فيه ملكةً تامّة قويّة تؤهِّله للتعليم» [2] .

ولأجل هذه المفسدة العظيمة حثّ كثيرٌ من أهل العلم على تجنّب التصدّي لتعليم من لم يكن أهلًا لفهم العلم وحمله والقيام بحقّه، لضعفٍ في عقله، أو فسق ظاهرٍ في دينه، أو رداءة في طبعه، أو دناءة في خُلُقه، أو عدم رغبة حقيقية عنده في العلم. ومِمّا يُروى عن عكرمة، (ت: 104 هـ) ، رحمه الله، قال: «قال عيسى، عليه السلام: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإنّ الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا، ولا تعطِ الحكمة من لا يريدها، فإنّ الحكمة خيرٌ من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شرٌّ من الخنزير» [3] . وعنه قال: «إنّ لهذا العلم ثمنًا. قيل: وما ثمنه؟ قال: أن تضعه عند من يحفظه ولا يضيّعه» [4] .

وعن سفيان بن عيينة (ت: 198 هـ) ، رحمه الله، قال: «قال عيسى، عليه السلام: إنّ للحكمة أهلًا، فإنْ وضعتها في غير أهلها ضُيِّعت، وإن منعتها من أهلها ضُيِّعت. كُن كالطّبيب يضعُ الدواءَ حيث ينبغي» [5] .

وقيل لسفيان الثوري (ت: 161 هـ) ، رحمه الله: «لو أنّك نشرتَ ما عندك من العلم رجوتَ أن ينفع الله به بعض عباده وتُؤجر على ذلك، فقال سفيان: والله لو أعلم بالذي يطلب هذا العلم لا يريد به إلا ما عند الله لكنت أنا الذي آتيه في منزله فأُحدِّثُه بما عندي ممّا أرجو أن ينفعه الله به» [6] .

وعن الشافعي (ت: 204 هـ) ، رحمه الله، شِعرًا:

«أأنثرُ دُرًّا بين سارحة النَّعَم ... وأنظُم منثورًا لراعية الغَنم

لعمري لئن ضُيِّعت في شرِّ بلدة ... فلستُ مُضيِّعًا بينهم غُرَر الحِكَم

فإنْ فرَّج الله اللّطيف بلطفه ... وصادفتُ أهلًا للعلوم وللحِكم

بثثتُ مفيدًا واستفدت وِدادهم ... وإلا فمخزونٌ لديَّ ومُكتَتَم

ومن مَنَح الجُهّالَ علمًا أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظَلم» [7] .

وقال ابن حزم (ت: 456 هـ) ، رحمه الله: «نشر الْعِلْم عند من ليس من أهله مفسدٌ لهم، كإطعامك العسل والحلواء من به احتراقٌ وحُمّى، أو كتشميمِك المِسك والعنبر لمن به صُداع من احتدام الصّفراء» [8] . وقال: «لا آفة على العلوم وأهلِها أضرُّ من الدُّخَلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنّهم يجهلون ويظنُّون أنّهم

(1) الراغب الأصفهاني، الذريعة الى مكارم الشريعة، ص 182.

(2) الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 245.

(3) البيهقي، المدخل إلى السُّنن الكبرى، ص 368.

(4) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 448) .

(5) أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (7/ 273) .

(6) أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (6/ 369) .

(7) أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (9/ 153) .

(8) ابن حزم، الأخلاق والسير، ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت