الحفظ.
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب} . [ص: 29] . فذكر أنّ الغاية من الإنزال هي التدبُّر وتذكر أولي العقول.
وقال تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، فالمطلوب هو زيادة العلم بالقرآن لا مجرّد تحريك اللسان به.
وقال تعالى: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} . [سبأ: 44] ، وقال، تعالى: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} . [القلم: 37] . وقال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله عزّ وجل فيمن عنده» [1] ، فذكر الدّراسة، وهي التفقّه، وربط الفضل بالتلاوة والمدارسة معًا، لا بمجرّد التلاوة.
وعن أبي جحيفة، رحمه الله، قال: «قلتُ لعلي، رضي الله عنه: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النّسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن ... » [2] . وعن علي، رضي الله عنه، قال: «لا خير في عبادة ليس فيها تفقُّه، ولا علم ليس فيه تفهُّم، ولا قراءة ليس فيها تدبُّر» [3] .
وعن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، قال في ضمن حديث طويل: «كنتُ قد أُعطيتُ في القرآن فهمًا» [4] .
وقالت عائشة، رضي الله عنها: «ما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسرد الحديث كسردكم، إنّما كان حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصْلًا تفقهُهُ القلوب» [5] .
وقال الخطيب البغدادي (ت: 463 هـ) ، رحمه الله: «العلم هو الفهم والدّراية، وليس بالإكثار والتوسُّع في الرواية» [6] .
وقال ابن عبد البر (ت: 463 هـ) ، رحمه الله: «والذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذمُّ الإكثار دون تفقّه ولا تدبّر» [7] .
وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) ، رحمه الله: «أقلُّ موجود في النّاس الفَهم والغوص على دقائق المعاني» [8] .
(1) مسلم، الصحيح، (4/ 2074) . وأحمد، المسند، (12/ 393) .
(2) البخاري، الصحيح، (4/ 69) .
(3) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 811) .
(4) معمر بن راشد، جامع معمر بن راشد، (11/ 342) ،
(5) البيهقي، المدخل للسنن الكبرى، ص 355.
(6) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (2/ 174) .
(7) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 1013) .
(8) ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص 488.