الصفحة 39 من 46

الأدب، وتحفظ عليه عقله وذاكرته، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} . [فاطر: 28] . ومقتضى ذلك أنّ من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. ولذلك قال ابن مسعود، رضي الله عنه: «ليس العلم بكثرة الرواية، إنّما العلم خشية الله» [1] ، أي ما يُوصِل إلى ذلك. وقال: «إنّي لأحسب أنّ الرجل ينسى العلم قد عَلِمه بالذنب يعمله» [2] . قال ابن رجب، رحمه الله: «وكلامُهم [أي السّلف] في هذا المعنى كثيرٌ جِدّا» [3] .

وقال ابن القيم (ت: 751 هـ) ، رحمه الله:

«للمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة، المضرّة بالقلب والبدن في الدّنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. فمنها: حرمان العلم، فإنّ العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النّور. ولمّا جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إنّي أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية. وقال الشافعي رحمه الله:

شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأنّ العلم فضلٌ ... وفضل الله لا يُؤتاه عاصي» [4] .

وقال الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله:

إنّ «الوظيفة الأولى» للمتعلِّم هي «تقديم طهارة النّفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف؛ إذِ العلم عبادة القلب، وصلاة السرّ، وقُربة الباطن إلى الله تعالى. وكما لا تصحُّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصحّ عبادة الباطن، وعمارة القلب بالعلم، إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق، وأنجاس الأوصاف» [5] .

وقال الراغب الأصفهاني (ت: 502 هـ) ، رحمه الله، فيما ينبغي على طالب العلم أن يتحرّاه: «أن يطهّر نفسه من رديء الأخلاق تطهيرَ الأرض للبذر من خبائث النّبات، وقد تَقَدّم أنّ الطاهر لا يسكن إلا بيتًا طاهرًا، وأنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب» [6] .

وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) ، رحمه الله:

«رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب؛ إلا أن يُمزج بالرّقائق، والنّظر في سير السّلف الصالحين. فأمّا مجرّد العلم بالحلال والحرام، فليس له كبير عملٍ في رقّة القلب؛ وإنّما ترقّ القلوب بذكر رقائق

(1) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 759) .

(2) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 675) .

(3) ابن رجب الحنبلي، فضل علم السلف على الخلف، مجموع الرسائل، (3/ 26) .

(4) ابن القيّم، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص 52.

(5) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/ 48) .

(6) الراغب الأصفهاني، الذريعة الى مكارم الشريعة، ص 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت