القرآن وبعض متون الأحاديث. وصار القرآن أصل التّعليم الّذي يُبنى عليه ما يحصل بعد من الملكات» [1] .
وقد أشار عدد من الدراسات العلمية التربوية المعاصرة إلى الأثر الإيجابي لتعلّم الطالب القرآن الكريم في أدائه الأكاديمي في المقررات الأخرى [2] .
ومع كل هذا، قد حَدث في بعض الأعصار المتأخرة الإقلال من الاهتمام بفقه القرآن انشغالًا عنه بغيره من العلوم. قال الذهبي (ت: 748 هـ) ، رحمه الله: «قلَّ من يعتني اليوم بالتفسير» [3] . وقال بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) يصف حال طلاب العلوم الشرعية مع علم التفسير في القرن الهجري الماضي:
«طلاب العلوم الشرعية أقلّ الناس عنايةً به، وأزهدُهم فيه، فالطالب الذي يصرف عشر سنوات من عمره في تعلّم النحو من حواشي المتأخِّرين، أو بالحَري يُمضي عشر سنوات في قراءة قيل وقال، واعتُرض وأُجيب، ممّا ليس بعلم من العلوم، يَضِنُّ على كتاب الله، قانونِ دينه، ومبدأ سعادة البشر في النشأتين، بسَنَةٍ يصرفها في قراءة تفسير من تفاسيره اللّطيفة الموثوق بها ... ، وليس هذا الذي نقوله خاصًّا بطلبة مِصرٍ أو قُطْرٍ، بل طلاب العلوم الشرعية في جميع الأمصار والأقطار قد اطّرحوا هذا القسم من الفنون، ولم يُعيروه أدنى نظرٍ والتفات» [4] .
وقال الشيخ ابن باديس (ت:1359 هـ) ، رحمه الله:
«حصلنا على شهادة العالميّة من جامع الزيتونة، ونحن لم ندرس آيةً واحدةً من كتاب الله، ولم يكن عندنا أيُّ شوقٍ أو أدنى رغبة في ذلك. ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يومًا منزلة القرآن من تعلُّم الدّين والتفقُّه فيه، ولا منزلة السنّة النبويّة من ذلك. هذا في جامع الزيتونة فدع عنك الحديث عن غيره ممّا هو دونه بعديد المراحل» [5] .
وفي عصرنا الحاضر تعافت، إلى حدٍّ ما، كثيرٌ من الكلِّيات الشرعية من تهميش دراسة القرآن الكريم: حفظًا وتفسيرًا، كما كان الحال عليه قبل قرن من الزمان، فلا تخلو الآن خُطَّة من خطط التدريس في مختلف الجامعات من مقرَّرات في الحفظ والتفسير. ومع هذا فلا يزال الاهتمام بالقرآن الكريم وتفسيره، دون المستوى المطلوب بكثير، خصوصًا لطلاب تخصُّصات الفقه والحديث والدّعوة. والمأمول أن يزداد الاهتمام بالقرآن الكريم بشكل ملحوظ، ولو على حساب غيره من العلوم؛ فإنّه، كما قال الشافعي، رحمه الله: «لا يَعلم من جَهِله، ولا يَجهل من عَلِمه» [6] . فلا أقلَّ من أن تُخصَّص سنةٌ واحدة من سنوات الدّراسة الأربع لتعلّم القرآن والانكباب عليه، حفظًا وفهمًا، دون خلط ذلك بغيره من العلوم.
(1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 740) .
(2) يُنظر نتائج خمسة من هذه الدراسات: عبد الملك بن عثمان ابن الأمير، وفق دراسات علمية: القرآن له أثر كبير في زيادة التحصيل الدراسي وتفوُّق الطلاب، صحيفة الجزيرة، الخميس 28 شوال 1428 هـ الموافق 08/ 11/2007، العدد 12824، http://www.al-jazirah.com/2007/20071108/el 6.htm
(3) الذهبي، زغل العلم، ص 40.
(4) الحلبي: بدر الدين، التعليم والإرشاد، ص 83.
(5) الطالبي: عمار، ابن باديس: حياته وآثاره، (3/ 2019) .
(6) الشافعي، الرسالة، ص 19.