ومن النتائج لذلك أيضًا أنْ صار الأساتذة إلا قليلًا يعتبرون أنفسهم باعةً للعلم ومجرّد موظّفين، فاشتدّ التَّحاسد والتباغض والتنافس بينهم، كالذي يكون بين الباعة وأهل السوق، وربّما أكثر، وصاروا، إلا من رحم ربي، يقتتلون على المعاشات الإضافية، والدُّروس الخارجيّة، وبيع كتب العلم لطلابهم، وغير ذلك مِمَّا السكوت عنه أولى من ذكره، ففقدوا بذلك هيبتهم، وخسروا احترامَهم، وقلَّ الانتفاع بهم، فإنّ المتعلِّم يستفيد من معلّمه بقدر تعظيمه له، وارتفاع قدره عنده. عن سفيان بن عيينة قال: بلغنا عن ابن عبّاس، رضي الله عنه، أنه قال: «لو أنّ حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبَّهم الله وملائكته والصالحون ولهابهم الناس، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على النّاس» [1] ، وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: «لو أن أهل العلم صانوا علمهم، ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكن بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا على أهلها» [2] .
ومن جهةٍ أخرى صار يُعامل الطَّالب على أنّه «زَبون» ، لا أكثر، كزبون المطعم أو المقهى أو الدّكان، ولذلك فَسحت له الأنظمة الجامعية الليبرالية المجال لاختيار ما يدرس، وكيف يدرسه، ومتى يدرسه، ومتى لو شاء ينسحب منه، وصارت المقرّرات الدينية، وغيرها، كسوق كبيرة يختار الطالب منها ما يراه هو بنفسه ملائمًا لحاله، ومحقِّقًا لآماله - التي لا تعدو الظَّفَر بالشهادة أو التفوّق فيها - بحسب سهولة المقرّر وصعوبته، وخِفَّة ظلِّ مدرسه وثقالته، وكرمه في الدَّرَجات وشُحّه، وغير ذلك من الاعتبارات الصّارفة عن التعلُّم الحقِّ الذي ينبغي أن يراعي ما ينفع الطالب وإن كان فيه بعضُ مرارة، لا أن يراعي رغباته وشهواته. قال الغزالي (ت: 505 هـ) ، رحمه الله: «وبالجملة فكلُّ متعلِّم لم يتَّبع مراسم معلِّمه في طريق التعلُّم، فاحكم عليه بالإخفاق وقِلّة النُّجح» [3] . وقال برهان الدين الزرنوجي (ت: بعد 593 هـ) ، رحمه الله: «وينبغي لطالب العلم أن لا يختار نوع العلم بنفسه، بل يفوِّض أمره إلى الأستاذ، فإنَّ الأستاذ قد حصل له التجارب في ذلك، فكان أعرف بما ينبغي لكلِّ واحد وما يليق بطبيعته» [4] ، ثم ينقُل، رحمه الله، عن أحد شيوخه قولَه: «كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوِّضون أمرهم في التعلُّم إلى أساتذتهم، وكانوا يَصِلون إلى مقصودهم ومرادهم، والآن يختارون بأنفسهم، فلا يحصل مقصودُهم من العلم والفقه» [5] .
وأمّا الفرق الجوهري الثاني الذي يفصل بين العلم الديني والعلوم الدنيوية، فهو أنّ العلم الديني مدارُه في الغالب على النَّقل دون العقل، وأنَّ العقل، إذا كان له نظر في علوم الدين، فهو: «إنّما ينظر من وراء الشرع» [6] ، كما قال الشاطبي (ت: 790 هـ) رحمه الله. وقال، أيضًا: «إذا تعاضد النّقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدّم النّقل فيكون متبوعًا، ويتأخَّر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النَّظر إلا بقدْر ما يسرِّحه النَّقل» [7] .
أمّا العلوم الدنيوية فعلى العكس، مدارها في الغالب على العقل دون النّقل، والتّجريب دون
(1) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 655) .
(2) ابن أبي شيبة، المصنّف، (7/ 76) . وابن ماجه، السنن، (1/ 95) . وفيه نهشل الورداني ضعيف.
(3) الغزالي، ميزان العمل، ص 346.
(4) الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص 31.
(5) الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص 31. مع التنبيه على أنّ المقصود بالأستاذ هنا المحنّك في التعليم لا مجرد من حصل على شهادة عليا في علم من العلوم، فهذا لا مزية لاختياره وإرشاده.
(6) الشاطبي، الموافقات، (1/ 30) .
(7) الشاطبي، الموافقات، (1/ 125) .