المتعلِّمين عليه أمارة النَّجابة؛ لأنّ أمارة النَّجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يُصَيرِّه شَبَكةً للكَسْب: إمّا ليأخذ قضاءَ مكانٍ، أو ليصير قاضي بلد، أو قدْر ما يتميزَّ به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي» [1] .
وجاء في المدخل لابن الحاج (ت: 737 هـ) ، رحمه الله:
«قال بعض السَّلف:"مَن طلب العلم لوجه الله لم يزل مُعانًا، ومَن طلبه لغير الله لم يزل مُهانًا". هذا إذا كان هو الدَّاخل بنفسه لطلب العلم، فإن كان وليُّه هو الذي يرشده لذلك فيتعيَّن على الوليِّ أن يعلِّمه النّيّة فيه، وليحذر أن يرشده لطلب العلم بسبب أن يرأس به، أو يأخذ معلومًا عليه إلى غير ذلك ممَّا تقدَّم ذكرُه، فإنَّ هذا سُمٌّ قاتل يُخرج العلم عن أن يكون لله تعالى، بل يقرأ، ويجتهد لله تعالى خالصًا كما تقدَّم ذكره، فإنْ جاء شيءٌ من غيب الله تعالى قَبِلَه على سبيل أنَّه فُتُوحٌ من الله تعالى ساقه الله إليه؛ لا لأجل إجارة، أو مقابلة على ما هو بصدده؛ إذ إنّ أعمال الآخرة لا يُؤخذ عليها عوض» [2] .
وعن ابن الأكفاني (ت: 749 هـ) ، رحمه الله، قال: «من تعلّم علمًا للاحتراف لم يأتِ عالمًا إنّما جاء شبيهًا بالعلماء. ولقد كُوشف علماء ما وراء النّهر بهذا الأمر، وفَظِعوا به، لمّا بلغهم بناء المدارس ببغداد فأقاموا للعِلم مأتمًا، وقالوا: كان يشتغل به أرباب الهِمَم العليّة، والأنفس الزّكيّة، الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماءَ يُنتفع بهم، وبعلمهم. وإذا صار عليه أجرةٌ تدانى إليه الأخِسّاء، وأربابُ الكسل، فيكون ذلك سببًا لارتفاعه» [3] .
وقال المنفلوطي (ت: 1343 هـ) ، رحمه الله: «لن يبلغ المتعلِّم درجة النّبوغ إلا إذا وضع في العلم الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة، ولن يسلس له ذلك إلا إذا كان علمُه مفهوما لا محفوظًا، ولا يكون مفهومًا إلا إذا أخلص المتعلِّم إليه، وتعبّد له، وأنس به أُنس العاشق بمعشوقه، ولم ينظر إليه نظر التاجر لسلعته، والمحترف إلى حرفته، فالتاجر يجمع من السِّلع ما ينفُق سوقه، لا ما يغلو جوهره، والمحترف لا يهمُّه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، أحسن أم أساء. لا يزور العلمُ قلبا مشغولًا بترقُّب المناصب، وحساب الرَّواتب، وسوق الآمال وراء الأموال» [4] .
وممّا نتج عن التركيز على توجيه البرامج وإعداد المقرّرات بحسب متطلَّبات السوق أنْ قلَّ الاهتمام، في هذه البرامج والمقرّرات، بالجوانب الخُلُقيّة والرّوحية للمتعلِّم على عكس ما جاء الأنبياء لأجله، وجُعِل العلم له، فصار من المهجور - عملًا - في صناعة التعليم الديني الرسمي هذه الأيام: قولُه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} . [فاطر: 28] ، وقولُه، صلى الله عليه وسلم: «إنّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق» [5] ، وذلك لأنَّ هذه «البِضاعة» لا سوق لها، أو لذريعة أنّها إن وُضعت أهدافًا أو مخرجاتٍ فهي غير قابلة للقياس والتقييم.
(1) ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص 70.
(2) ابن الحاج، المدخل إلى تنمية الأعمال، (2/ 123) .
(3) ابن الأكفاني، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ص 95.
(4) المنفلوطي: مصطفى لطفي، النّظرات، (1/ 289) .
(5) مالك، الموطأ، (5/ 1330) ، وأحمد، المسند، (14/ 513) . وصحّحه الألباني والأرناؤوط.