والسنة، وأقوال السّلف الصالحين وسِيَرُهم، على أنَّ العلم الديني لا ينبغي أن تُراد به الدنيا وأعراضها، وإنّما هو وسيلة لغاية واحدة لا غير، هي تمثُّلُه والعمل به ابتغاء وجه الله تعالى والدّار الآخرة، ثمَّ نشره ونفع النّاس به دون تطلُّع، وإشراف نفس، إلى المكاسب الدنيوية والمغانم المادّية من مال أو جاه أو رِفعة أو شُهرة أو منصب. قال الشاطبي (ت: 790 هـ) ، رحمه الله، مستقرئًا هذا المبدأ من نصوص الشرع وملخِّصا له في مقدّمات كتابه الموافقات: «كلُّ علمٍ شرعيٍّ فطلب الشارع له إنَّما يكون من حيث هو وسيلةٌ إلى التعبُّد به لله تعالى، لا من جهةٍ أخرى» [1] .
وللأسف الشديد فقد تسرّبت كثيرٌ من الأفكار الغربية المادّية إلى صناعة التعليم الدّيني، في مجتمعاتنا الإسلامية، ونتيجةً لذلك صار الشُّغلُ الشَّاغل لكثيرٍ من القائمين على هذا التعليم إعدادَ برامجه، وتوجيهَ مقرّراته، بما يراعي حاجةَ السُّوق، ومتطلَّبات أرباب العمل، ورغبات المتعلِّمين المعاشية، تحت ذريعة ما يُسمَّى بالـ Marketability في البرامج، وذلك جَريًا مع مبادئ الرأسمالية في المنفعة، والسّوق الحرّة، وقانون العرض والطَّلب.
وهذا التوخِّي للأغراض الدّنيوية الوظيفيّة، في بناء برامج العلوم الشرعية، وإن لم يكن مرفوضًا البتّةَ إلا أنّه ينبغي أن يظلَّ هدفًا ثانويًا لا أوليًّا، وتابعًا لا أصليًا، وبالعَرَض لا بالذّات. وينبغي أن يُرَكَّزَ الجُهد في إعداد البرامج ومقرّراتها على البناء العلمي السّليم والمتكامل للطالب، بهدف تخريجِه عالمًا بمعنى الكلمة، مَعرفةً وعَمَلًا، شكلًا ومضمونًا، أو على الأقل، تخريجه متعلّمًا غير مكتمل المعارف، لكنّه، مع ذلك، سائرٌ على سِكّة العلماء، متسلّحٌ بالأدوات والمهارات والدّوافع الذاتية الكافية لتجعله يتابع الطّريق إلى العالِميّة على عاتقه، ولا بأس بعد كلّ هذا، أو مَعه، من مراعاة نوع الوظيفة التي سيتأهّل لها وتدريبِه عليها سَلفًا، على أن يكون ذلك، كما قلنا، تَبَعًا لا أصالة، على نَمط ما أُشير إليه في قوله، تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} . [القصص: 77] . وقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ... لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} . [البقرة: 197، 198] . ففي الموضعين كان القصد الدُّنيوي تابعًا ومتأخّرًا عن القصد الأخروي.
أمّا أن يكون التركيز منصبًّا على متطلّبات سوق العمل ابتداءً، فهذا قلبٌ للمسألة، ووضعٌ للأشياء في غير مواضعها، فالعلوم الدّينية لم تُوضع للاتِّجار بها. قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . [ص: 86] ، وقد تكرّر معنى هذه الآية في عشرة مواضع من الكتاب، وقال، صلى الله عليه وسلّم: «من تعلّم علمًا مِمّا يُبتغى به وجه الله لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عَرَضًا من الدّنيا لم يجد عَرْف الجنَّة يوم القيامة» [2] . ولذلك كَرِه كثيرٌ من السَّلف أخذ الأجرة على التعليم الدّيني، ورخَّص فيه بعضهم، لكن اتَّفق الجميع على أنَّ من قَصد به الدّنيا لم يحصُل له منه إلا ما نوى.
رُؤي سفيان الثوري (ت: 161 هـ) ، رحمه الله، حزينًا، «فقيل له: ما لَك؟ فقال: صرنا مَتجرًا لأبناء الدنيا: يلزمُنا أحدهم حتى إذا تعلّم جُعِل قاضيًا أو عاملًا أو قَهرمانًا» [3] .
وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) ، رحمه الله، «تأمَّلت العلماء والمتعلِّمين، فرأيت القليل من
(1) الشاطبي، الموافقات، (1/ 73) .
(2) أبو داود، السنن، (3/ 323) . وابن ماجه، السنن، (1/ 92) . وصحّحه الألباني وحسّنه الأرناؤوط.
(3) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/ 57) .