علم الطّب]، ويتهاترون على علم الفقه، لا سيّما الخلافيات والجدليات. والبلد مشحونٌ من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع. فليت شعري كيف يُرخِّص فقهاءُ الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة، وإهمالِ ما لا قائم به! هل لهذا سبب إلا أنّ الطِّب ليس يتيسّر الوصول به إلى تولّي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلّد القضاء والحكومة، والتقدّم به على الأقران، والتسلّط به على الأعداء؟!» [1] .
وإعراض أكثر النّاس هذا عن العلوم الشرعية، في رأيي، هو أهمُّ سببٍ لظاهرة ضعف الخرّيجين في هذه الأزمان، لأنّه نجم عنه ظاهرتان خطيرتان على العلم وأهله:
الأولى: أنّ كلّيات الشريعة ومعاهدها باتت تستقبل، في الغالب، أضعف الطلبة من حيث الذكاء والقريحة الذهنية والجَلَد العلمي، وتوجّه أكثر الأذكياء والمحصّلين ذوي الإمكانات الفِطرية والنّفسية والاجتماعية العالية إلى دراسة العلوم الدنيوية على اختلاف أصنافها. والخامة الضّعيفة لا بدّ أن يصدر عنها مُنتجٌ ضعيف مهما بلغ الصّانع من الكفاءة والحِرَفيّة، ومهما استعمل من طرائقَ وأدواتٍ متقدّمة ومتقنة وناجعة، فكيف إذا كان الصّانع نفسُه، في الغالب، مُنتَجًا سابقًا من هذه الخامة الضّعيفة؟!
والظاهرة الثانية: أنّ كثيرًا من خرّيجي الكلّيات الشرعية ومنسوبيها، فضلًا عن ضعف استعدادهم الذهني، لم يكونوا راغبين في تعلّم العلم الديني ابتداءً، بل دُفعوا إليه دفعًا، لأسباب مختلفة، لعلّ من أبرزها عدمَ قبولهم في التخصّصات الأخرى. فصار طلبهم له لمجرّد الحصول على وظيفة أو للقيمة الاجتماعية. وأمثال هؤلاء قلَّ أن يُفلحوا. قال الدكتور أحمد بن علي القرني في كتابه الإبداع العلمي: «هذا هو الذي يظهر لنا السرّ في أنّ طلاب الجامعات الذين يتخرّج منهم كل عام الآلاف، لا يتخرّج منهم على الحقيقة إلا بضعة نَفَر؛ ذلك لأنّ الطالب لا يُقبل على التخصّص الذي التحق به بحبٍّ ورغبة، بل يلِجه: إمّا لأنّه تخصُّص سهل، أو بناءً على رغبة أهله، أو مسايرةً لأصحابه وزملائه، أو لأنّ له مستقبلًا مادّيًا أرقى أو لغير ذلك، وكلُّ هذا لا يثمر» [2] .
وقال ابن الأكفاني (ت: 749 هـ) ، رحمه الله، في شروط المتعلّم: «الشرط الأول: أن يكون الغرضُ إنّما هو تحقُّق ذلك العلم في نفسه، إن كان مقصودًا لذاته، أو التوسُّل به إلى غيره، دون المال والجاه والمغالبة والمكاثرة، بل تلك الغاية ثواب الله تعالى. وكَثُر من نظر في علمٍ لغرض فلم يحصِّل ذلك العلم ولا ذلك الغرض» [3] .
وكذلك قال الشيخ بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ، رحمه الله، في شروط المتعلِّم:
«أن يكون غرضُه من تعلُّم العلم التحقُّق به، وخدمة النّاس بعلمه، وتسهيل طرق الارتفاق، ولا يجعل همَّه التوصُّلَ به إلى شيء من الدنيا وفوائدها؛ فإنّه إذا كان ذلك همَّهُ، كان حرصُه على الفائدة، لا على العلم، فلم تتوجَّه إليه نفسُه تمامَ التوجُّه، فقلَّ أن يحصل منه على الملكة الكافية، واكتفى من العلم بالقدْر الذي
(1) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/ 21) .
(2) القرني: أحمد بن علي، الإبداع العلمي، ص 76.
(3) ابن الأكفاني، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ص 101.