يصل به إلى مطلوبه. وهذا الشرط قلَّ من يراعيه من طلاب العلوم في المدارس الشّرعية والنِّظامية، فإنَّ أكثر الطلاب لا يُقَدِّرون في أيَّام اشتغالهم إلا الحصولَ على الشّهادة، لنوال مُرتّب أو للاستخدام بها، فهو يسعى للمرتَّب أو الخدمة بكلِّ قلبه، ونفسُه في شغلٍ شاغلٍ عن العلم» [1] .
وبسبب هاتين الظَّاهرتين: «ضعف الأهلية» ، و «ضعف الرغبة» ، افتقد كثيرٌ من خريجي العلوم الشرعية شرطين أساسين في طالب العلم الذي من شأنه أن يُفلح. فقد كثر في تراثنا التربوي تنبيه العلماء على أنّ «الذكاء» ، و «الرغبة» ، شرطان جوهريّان في فلاح طالب العلم، وأنّ «ضعيف العقل» ، و «غير الحريص» لا ينفع معهما التعليم.
فعن عامر الشعبي (ت: بعد 100 هـ) رحمه الله، قال: «إنّما كان يطلب من اجتمع فيه خَصْلتان: العقل والنُّسُك، فإن كان عاقلًا، ولم يكن ناسكًا، قالوا: هذا أمر لا يناله إلا النّاسك فلِمَ تطلبُه؟ وإن كان ناسكًا، ولم يكن عاقلًا، قالوا: هذا الأمر لا يناله إلا العقلاء، فلِمَ تطلبُه؟ قال الشعبي: لقد خفت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدةٌ منهما لا العقل ولا النُّسُك» [2] . قلتُ: قال هذا في زمن التابعين حيث كان أساطين العقل والعبادة والورع متوافرين فكيف به، رحمه الله، لو كان في زماننا هذا.
وعن الشافعي (ت: 204 هـ) ، رحمه الله، قال: «يحتاج طالب العلم إلى ثلاث خصال: أولها: طول العمر، والثانية: سَعَة اليد، والثالثة: الذكاء» [3] . وقال: «الطّبع أرض، والعلم بذرة، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فإذا كان الطبع قابلًا، زكا ريعُ العلم، وتفرّعت معانيه» [4] . وذكر، رحمه الله، في شروط الذي يتكلَّم في العلم ويفتي: أن «يكون له قريحة» [5] ، وفي شروط القائس: «أن يكون صحيح العقل ... ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة: فليس له أن يقول أيضًا بقياس، لأنّه قد يذهب عليه عقل المعاني. وكذلك لو كان حافظًا مقصّر العقل، أو مقصّرًا عن علم لسان العرب: لم يكن له أن يقيس من قِبَل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس» [6] .
وقال ابن دُريد (ت:321 هـ) : «سُئل بعضهم متى يكون الأَدَبُ ضارًّا؟ قال: إذا نقصت القريحة، وكثُرت الرواية» [7] .
وقال الشاعر:
إذا كان الطِّباعُ طِباعَ سوءٍ ... فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ
وقال أبو هلال العسكري، (ت: 395 هـ) ، رحمه الله:
«قال بعض الأوائل: لا يتمّ العلم إلا بستة أشياء: ذهنٌ ثاقب، وزمان طويل،
(1) الحلبي: بدر الدين، التعليم والإرشاد، ص 237.
(2) البيهقي، شعب الإيمان، (3/ 285) .
(3) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/ 187) .
(4) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/ 187) .
(5) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/ 332) .
(6) الشافعي، الرسالة، (1/ 510) .
(7) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/ 157) .