الصفحة 14 من 46

وكفاية، وعملٌ كثير، ومعلِّم حاذق، وشهوة. وكلَّما نقص من هذه الستة شيء، نقص بمقداره من العلم» [1] . قال العسكري: «ذَكَر ثقوب الذهن؛ لأنّه علّةُ القَبول وسبب الفهم، والبلادة تنافي الفهم والقبول، والبليد لا ينفعه طول التعليم، كالصَّخر لا ينبت فيه بدوام المطر» . قال: «وذَكَر الشهوة؛ لأنّ النّفس إذا اشتهت الشيء، كانت أسمحَ في طلبه، وأنشط لالتماسه، وهي عند الشهوة أَقبَلُ للمعاني، وإذا كانت كذلك لم تدَّخر من قواها، ولم تحبِس من مكنونها شيئًا، وآثرت كدَّ النّظر على راحة الترك، ولذلك قيل: يجب على طالب العلم أن يبدأ فيه بالمهم، وأن يختار من صنوفه ما هو أنشط له، وطبعُه به أغنى، فإنّ القَبول على قدر النّشاط، والبلوغَ على قدر العناية» [2] .

ونَظَم هذه الشروط الستّة بعضُهم فقال:

أخي لن تنال العلم إلا بستّةٍ ... سأُنبيك عن مكنونها ببيان

ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغةٌ ... وإرشاد أستاذٍ وطول زمان [3]

وقال الجاحظ (ت: 255 هـ) ، رحمه الله: موصيًا: عليكَ «أن تعرف فضلَ ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرَّغبة، وأن تعلم أنَّ العلم لا يجود بمكنونه ولا يسمح بسرِّه ومخزونه إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضَّله لحقيقة جوهره، ورفَعَهُ عن التكسُّب، وصانه عن التبذُّل، وأنَّه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تُعطيَه خالص المحبَّة» [4] .

وقال الماوَردي (ت: 450 هـ) ، رحمه الله:

«أمّا الشروط التي يتوفّر بها علم الطالب، وينتهي معها كمال الراغب، مع ما يُلاحظ به من التوفيق، ويُمَدُّ به من المعونة، فتسعة شروط: أحدها: العقل الذي يدرك به حقائق الأمور. والثاني: الفِطنة التي يَتصوّر بها غوامض العلوم. والثالث: الذّكاء الذي يستقرّ به حفظ ما تصوّره وفهم ما علمه. والرابع: الشّهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل. والخامس: الاكتفاء بمادّة تغنيه عن كُلَف الطّلب. والسادس: الفراغ الذي يكون معه التوفُّر ويحصل به الاستكثار. والسابع: عدم القواطع المذهلة من هموم، وأمراض. والثامن: طول العمر واتّساع المدّة؛ لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال. والتاسع: الظّفر بعالم سَمِحٍ بعلمه متأنٍّ في تعليمه. فإذا استكمل هذه الشروط التّسعة فهو أسعد طالب، وأنجح متعلِّم» [5] .

وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) ، رحمه الله: «للطالب المرزوق علامة، وهو أن يكون مرزوقًا علوَّ

(1) أبو هلال العسكري، الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، ص 47.

(2) أبو هلال العسكري، الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، ص 48.

(3) ابن مفلح الحنبلي، الآداب الشرعية والمنح المرعية، (1/ 216) .

(4) الجاحظ: عمرو بن بحر، الرسائل الأدبية، ص 488.

(5) الماوردي، أدب الدنيا والدين، ص 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت